GO MOBILE version!
ديسمبر11201911:55:12 صـربيع آخر131441
الناطور...!
الناطور...!
ديسمبر11201911:55:12 صـربيع آخر131441
منذ: 3 شهور, 20 أيام, 23 ساعات, 14 دقائق, 51 ثانية

 
الناطور في مفهومه التقليدي, هو من يملك مفتاح كَرْم العنب, ويحمل بيده اليسرى قنوة من العيار الثقيل,..كنا صغارا نخاف من الناطور, وقد تأسس فينا هذا الخوف, نتيجة للقصص التي كانت تُقّص علينا من اجدادنا وجداتنا الكبار رحمهم الله, والتي كانت تدور حول كيف ان ناطور كَرْم العنب هزم الاسد, ولحق النمر, وطارد الضباع, وأسر مجموعة من الذئاب, ثم كيف ان الناطور القى القبض على لصوص عناقيد العنب, وكيف كتّفهم هذا الناطور بالحبال, وكيف هوت قنوة الناطور على رؤوس اللصوص من جميع الجهات, كل ذلك من اجل ان لا يقترب احد منا من كَرْوم العنب وعناقيدها, فلكل كَرْم عنب ناطور يقظ لا يعرف النوم, هكذا زرعوا فينا الخوف ونحن صغار, حتى اصبحنا نخاف من حلاوة عناقيد العنب السوداء المضيئة!
الناطور, اقصد ناطور كَرْم العنب كان يعشق الكَرْوم وينتمي اليها ويبيتُ فيها ليلا ويعرف عنها اكثر ما يعرف عن نفسه, وكان من اجل كَرْم العنب يبقى دائما في حالة من التّعب والكدّ والشقّاء والعنّاء الشديدين يواصل الليل بالنهار, كيف لا وكان يحرس ثمار عناقيد العنب الملونة.. الخضراء والسوداء والحمراء المغرية اقول المغرية, وكان امينا بكل ما تحمله هذه الكلمة من ابعاد حتى على عناقيد الزبيب المتساقطة في اخر الموسم, تلك العناقيد المحافظة على لونها بعد ان جفّت وأخذت بياتا شتويا طويلا, لتعطي طعما جديدا للحياة.
لقد غاب عنا نواطير الكَرْوم, وغاب عنا طعم العنب البلدي ولونها الاخضر, ولم نعد قادرين على تسلق السناسل المحيطة بتلك الكَروْم, ولم تعد تنهال خلفنا حجارتها التي تحمل تاريخ الماضي, وبات مفتاح الكَرْم في متاحفنا حكاية للأجيال الحالية, وغادرت قنوة ناطور الكَرْم على استحياء وركدت حطبا في موقد العظماء من القوم, حتى اماكن الكَرْوم اصبحت ملاهي ليلية, او اماكن لاصطفاف السيارات الفاخرة, او صالات افراح حمراء, او بركسات لدجاج المزارع, او كرفانات لعمال المصانع..لقد ولّت ايام الكَرْوم والنواطير وتبدّلت تلك الايام حتى اصبحنا امام بزنس (business) جديد تحت مسمى شركات (الامن والحماية) مفاتيحهم الكترونية, وقنواتهم جمع قنوة الكترونية, ولهجاتهم الكترونية.
غاب الناطور ودخل الناس المدينة أفواجا,..فاحمد بن احمد ذهب الى البنك! ومحمود بن محمود ذهب الى المول! وسوسن بنت سوسن ذهبت الى محل المجوهرات! وخالد بن خالد دخل على (ميزانية) ابيه! وعبلة بنت عبلة غزت جيوب معطف امها! ..غاب الناطور وانهالت علينا عناقيد الغضب, كنا في الامس بناطور واحد لكَرْوم العنب ولكل الناس, اما اليوم فنحن بحاجة الى ناطور داخل كل واحد منا.., للأسف الشديد اليوم كل بنك في وطننا يحتاج الى ناطور, وكل مول في وطننا يحتاج الى ناطور, وكل محل مجوهرات في وطننا يحتاج الى ناطور, وكل(ميزانية) اب في وطننا تحتاج الى ناطور, ولكل جيبة في معطف كل ام في وطننا تحتاج الى ناطور, واكثر من ذلك فان الناطور هذه الايام في وطننا يحتاج الى ناطور عليه.. اليس كذلك؟
في ليالي الشتاء الطويلة الدافئة, قد نتذكر كلمات اغنية قديمة كتبها الشاعر عساف الصباح عام 1932م, ذلك الشاعر الذي ارتبط اسمه منذ الطفولة بالأرض, ارض برقين بمحافظة جنين, حيث قال هذا العساف رحمه الله: (يا أبو عبد الفتاح, طاح العنب طاح, نادي عَ الناطور, يعطينا المفتاح).
ويبقى السؤال عالقا دون اجابة, اين ذهب (الناطور)؟
لم يبقى من عناقيد العنب البلدي إِلَّا حواملها الرفيعة (السويقات).

أُضيفت في: 11 ديسمبر (كانون الأول) 2019 الموافق 13 ربيع آخر 1441
منذ: 3 شهور, 20 أيام, 23 ساعات, 14 دقائق, 51 ثانية
0

التعليقات

151135
أراء وكتاب
لقاء أولمرت عباس يضر فلسطين ولا ينفعلقاء أولمرت عباس يضر فلسطين ولا ينفعد. فايز أبو شمالة2020-02-10 20:31:40
عملاء عراقيون من طراز خاصعملاء عراقيون من طراز خاصعلي الكاش2020-02-08 21:50:20
في رحلة صوم يونان النبيفي رحلة صوم يونان النبيرفعت يونان عزيز 2020-02-07 15:31:16
كارثة طبيعية أم حرب بيلوجية ؟كارثة طبيعية أم حرب بيلوجية ؟الحسين عبدالرازق2020-02-06 17:38:36
مقاتل بلا اسلحةمقاتل بلا اسلحةد/رشاد حسن العطار2020-02-03 08:41:44
صفقة القرن الفاضحةصفقة القرن الفاضحةجمال المتولى جمعة 2020-02-02 12:13:28
هلا فبرايرهلا فبرايرمحمد محمد علي جنيدي2020-02-02 00:53:36
التجدبد وأصولية الطيبالتجدبد وأصولية الطيبأحمد محمود القاضي2020-01-31 13:57:26
لماذا الناصريةلماذا الناصريةحيدر محمد الوائلي2020-01-30 11:05:20
إبداعات
نار القصائدنار القصائدكرم الشبطي2020-02-10 19:09:10
آسفآسفكرم الشبطي2020-02-09 22:22:05
انعطافات منكسرةانعطافات منكسرةطاهر مصطفى2020-02-05 16:14:25
كحل العيونكحل العيونشاكر فريد حسن 2020-02-03 07:54:13
كورونا.. فيروس ام اختراع سياسي؟!كورونا.. فيروس ام اختراع سياسي؟!هالة ابو السعود2020-02-02 12:17:53
الكائن والممكن والمستحيلالكائن والممكن والمستحيلطيرا الحنفي2020-01-21 02:01:06
لا تصدقيهملا تصدقيهمأحمد يسري عبد الرسول2020-01-20 10:14:07
ألوان الشتاءألوان الشتاءمروة عبيد2020-01-19 19:39:57
ليلةٌ باردةليلةٌ باردةمروة عبيد2020-01-12 12:20:45
في رثاء محمد شحرورفي رثاء محمد شحروربنعيسى احسينات - المغرب2020-01-12 11:13:09
مساحة حرة
عودوا لوطنكم...فهو يحتاجكمعودوا لوطنكم...فهو يحتاجكم ياسمين مجدي عبده2020-02-09 20:25:41
اعترافات متأخرةاعترافات متأخرةمروة عبيد2020-02-08 13:02:37
كتاب قصص الحياةكتاب قصص الحياةرانية محي2020-02-05 23:02:52
كفاح و طموحكفاح و طموحد.أحمد محمد عبدالعال2020-02-03 19:55:00
تألق الشعر العربي بمعرض القاهرة الدولي للكتابتألق الشعر العربي بمعرض القاهرة الدولي للكتابعبدالناصر أحمد الجوهري2020-02-03 13:35:33
إعترافات متأخرةإعترافات متأخرةمروة عبيد2020-02-02 14:41:17
معرض الكتاب الدولي والتيسر علي الروادمعرض الكتاب الدولي والتيسر علي الروادعبد العزيز فرج عزو2020-02-01 22:43:51
درع وسيفدرع وسيفأحمد نظيم2020-01-31 17:05:34
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر