GO MOBILE version!
يناير3202011:24:58 مـجمادى أول71441
أستودعك الله
أستودعك الله
يناير3202011:24:58 مـجمادى أول71441
منذ: 3 شهور, 5 أيام, 15 ساعات, 20 دقائق, 30 ثانية

أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه...
هكذا قالها جدك وهو يعانقني بصوت مشبع بالثبات والحيوية، أثناء مغادرتي للأهل والوطن في طلب العلم، ويا له من شعور ذاك الذي يتفجر كينبوع من الرغبة في البكاء عندي وعنده، وكل منا يغالب دمعه ويظهر الثبات، وقد تتفلت في هذه اللحظات قطرات من الدمع تغرورق بها العين، وتجاهد العين أن تمنعها من مواصلة السير، وبعد أن استقريت جالسا في مقعد الطائرة وكنت قد أعطيت لوالدي ظهري، انفجرت باكيا كطفل انقطع عنه دفئ والديه وأدرك أنه من جملة الأيتام، وكلما هممت أن أتماسك تتمثل لي صورة والدي فيزداد دمعي حرارة وشدة، وأنا أثناء كل ذلك أخفيه وأكتمه، فإنك إن سألتني ما أكثر شئ تكرهه فستكون إجابتي بكل تأكيد أنني أكره أن يراني أحد باكيا، وبعد أن هدأت هذه العاصفة من المشاعر بداخلي، وجفت الدموع المنهمرة من عيني، استرجعت الأحداث التي تطورت وأدت بي إلى ذلك المشهد.

****
وكيف كنت مستسلما للخمول الذي يصيب الشباب، في هذه المرحلة الخطير من عمر الإنسان عادة، لقد كنت يا ولدي شديد التمرد على نصائح أبي ويغلب علي الإستهتار بها، إذ كان عقلي غير متمتع بالنضج الكافي لأعي أهميتها، وكيف أنها كانت برهان محبته الصادقة لي، ورغبته المخلصة في أن يجعلنى إنسانا كريم الأخلاق رفيع الشأن بين الناس وعند الله، لقد بلغ بي الإستهتار أنني قصرت في دراستي وكدت أن أكون من الراسبين، حتى كان ذلك اليوم....
وما الذي حدث في ذلك اليوم يا أبي؟
أقول لك ما الذي حدث فأنصت جيدا لما تسمعه يا ولدي....
لقد عدت إلى المنزل بعد صلاة العشاء بساعة تقريبا وكان ذلك في أيام الشتاء، والعودة إلى المنزل في ذلك الوقت في مثل هذه الأيام التي يأوي فيها الناس باكرا إلى منازلهم، كانت مثارا للريبة والقلق عند الآباء عادة وعند الأمهات بشكل خاص، فقد وجدت في لحظة دخولي أبي وأمي وأخي جالسين مترقبين وصولي، وأستطيع أن أقول لك أنه كان موقفا من الرعب بمكان، فقد كان أبي ينظر لي بحزم شديد جعلني أضطرب من داخلي، وتسارعت نبضات قلبي وأحسست بالألم في معدتي، وقد شعرت والدتي وأدركت بذكاء فطري شديد وبعاطفة الأمومة ما أصابني، فعلت ملامحها نظرة العطف الممزوج بالقلق مما سيؤول إليه حالي مع والدي، وقد تشارك أخي الصغير نفس الأحساس مع والدتي، وبتغافل مصطنع مني قلت لهم ماذا بكم؟ لماذا تجلسون هكذا؟ فأجابني والدي بصوت فيه حزن وسخرية: كنا في انتظارك، ثم عاجلني سائلا أين كنت؟
فازدادت ضربات قلبي شدة إذ كان المكان الذي كنت متواجدا فيه، من الإماكن التي يحظر على من هم في سني ارتيادها، مع اقتراب موعد امتحانات نهاية العام، وفي مدة لا تتجاوز الدقيقة دخلت في صراع، سببته حيرتي في كنه الإجابة التي أرد بها على والدي......
هل أكذب عليه وأختلق عذرا لتأخري؟ أم أعترف له بالحقيقة؟ وإن كان الكذب هو اختياري فما هو العذر الذي يقنع والدي، الذي هو معروف بالذكاء والحكمة؟ وانتهى الصراع ولم يكن لي إلا أن أصارحه، إذ لو كذبت لن يزداد الأمر إلا سوءا، وبعد أن صارحته واجهني بردة فعل من صعوبتها على نفسي، أنني تمنيت لو ضربني.....
ما ردة الفعل هذه التي كانت شديدة الوقع عليك، لهذه الدرجك يا أبي؟
أنا بطبيعة الحال يا ولدي محب لأبي وأمي، والمحب يا ولدي تؤذيه النظرة التي فيها جفاء وتؤذيه الكلمة التي فيها لوم وعتاب، وذلك بالضبط ما حدث لي......
فقد قال لي والدي بصوت حزين هذه الكلمات:
اسمع يا ولدي نحن أهل بيت لا أرض لنا نملكها ونزرعها، ولا تجارة لنا ولا حرفة نتكسب منهما، وليس لنا يا ولدي رأس مال إلا العلم، ولا مكانة لنا يا ولدي بين الناس إلا بالعلم، وأنت الآن بين أمرين إما أن تجتهد وتتعلم وتكون صاحب شأن ورفعة عند الناس، وإما أن تهمل وتصبح نكرة بين الناس، إذ لا علم لك تعرف به ولا حرفة لك تعرف بها، ليس لدي ما أقوله لك غير ذلك وقد أبرأت ذمتي أمام الله، وأنت وشأنك.....

****

وسكت قليلا ثم قام وانصرف إلى غرفته، تعلوه هيبة ليس مصدرها كبر السن، ويعلوه صمت ليس مصدره الوقار، وإنما مصدر ذلك وذاك الحزن العميق وخيبة الأمل........
ثم خيم الصمت قليلا وإذا بوالدتي تعنفني برقة وإشفاق، وأنا غارق في حزن على والدي وندم على ما فرطت فيه من حق الله، وما فرطت فيه من حق أبوي وحق نفسي، ولا أستطيع أن أصف لك يا ولدي مدى شدة العذاب الذي أوقعه بي تأنيب الضمير، ولا أدري كيف استطعت النوم في هذه الليلة، ولكن كان لابد من كل ذلك أن يحدث، فما كان ليردني إلى الصواب إلا مثل هذه الصدمة القوية، التي تعرضت لها في تلك الليلة، بل إنني أشكر الله على كل ما حدث، فلولا ذلك ما كنت ذلك الأب الذي يمكن أن تعتقد أنه الأب المثالي، الذي يفتخر به أبناؤه.......
حفظك الله يا أبي، لكن لم تخبرني بما حدث بعد ذلك...
الذي حدث هو أنني استيقظت في صباح اليوم التالي، وقد عقدت العزم على أجتهد وأستدرك كل ما فاتني من أجل أن أرضي أبوي، ولكن مع كل هذا العزم والتفاؤل الناجم عنه، كانت هناك غصة في نفسي، وهي أن والدي ما زال يعاملني بجفاء، فذهبت إليه لأعترف له بخطأي وأعده بأنني سأكون خيرا مما يتمنى، وفي طريقي إليه كنت أقدم رجلا وأؤخر أخرى، لأنه ما الذي يضمن لي أنه سيستقبل قولي، برحابة صدر؟ وأنه سيعتقد الصدق في قولي ويراه في عيني؟ ولكن على كل حال، ذهابي إليه خير من سكوتي......
فلما دخلت عليه بادرته بالاعتذار، وألقيت إلى مسامعه كل ما كنت أنوي قوله وفعله، وهو في كل ذلك ينظر لي بتجهم وينصت لما أقوله، فلما انتهيت من كلامي صمت قليلا، ثم قال لي بنفس الملامح التي كان يستمع إلي بها:
أرجوا ذلك....
وأشاح بوجهه عني، ثم خرجت من عنده وفي نفسي شئ قليل من الرضا، واتجهت لدروسي وتحصيلي، والآباء يا ولدي بحكم الرحمة التي فطرهم الله عليها، يعفون عن أبنائهم ويصفحون، فما هي إلا أيام قليلة حتى عاد إلى سيرته الأولى في معاملتي، وانقشعت تلك الغمامة التي غمرت منزلنا بوابل الحزن والإكتئاب، بل إنه كان يشاركني في دراستي ويقوم بمساعدتي ولم يأل جهدا، في ذلك حتى أكرمني الله واجتزت هذه المحنة وهذا الإختبار، بسلام وعلى خير ما يرام، وتوالت الأيام بما فيها من فرح وحزن ويسر وشقاء، حتى كان هذا المشهد الذي ودعت فيه والدي، وبينما أنا غارق في تذكر كل ذلك، أنتبهت لقول المضيف:
welcome in United kingdom
 

أُضيفت في: 3 يناير (كانون الثاني) 2020 الموافق 7 جمادى أول 1441
منذ: 3 شهور, 5 أيام, 15 ساعات, 20 دقائق, 30 ثانية
0

التعليقات

151455
أراء وكتاب
ماذا نتعلم من سورة الفاتحة ؟؟؟؟ماذا نتعلم من سورة الفاتحة ؟؟؟؟عادل حسان سليمان 2020-04-08 16:56:09
كورونا .. سلاح مدمركورونا .. سلاح مدمررفعت يونان عزيز2020-04-07 20:45:51
عذرآ ....الكورونا ليست سلاح بشرىعذرآ ....الكورونا ليست سلاح بشرىعادل حسان سليمان 2020-04-07 18:03:50
دكتور حكيم في زمن الكورونا والتعقيمدكتور حكيم في زمن الكورونا والتعقيمعزالدين القوطالي2020-04-07 15:41:33
اعلنوا الوحدة من معازلكماعلنوا الوحدة من معازلكمعدنان الصباح2020-04-06 17:18:35
رهناء المحابسرهناء المحابسعبد الرازق أحمد الشاعر2020-04-06 03:14:31
لولاك يا كورونا ..ما فعلتها!!!لولاك يا كورونا ..ما فعلتها!!!د/محمد سعيد محفوظ عبد الله2020-04-05 21:51:26
أقلام وإبداعات
أضواء على الديانة اليهودية [ 1 ]أضواء على الديانة اليهودية [ 1 ]سامح عسكر 2020-04-09 00:39:43
قصص وحكايا ... نقلا عن صديقي ثعلبقصص وحكايا ... نقلا عن صديقي ثعلبايفان علي عثمان 2020-04-08 23:56:41
نص ـــ المستجد كورونانص ـــ المستجد كورونامصطفى محمد غريب2020-04-08 18:53:03
كورونا يحاصر العالمكورونا يحاصر العالمجمال المتولى جمعة 2020-04-08 17:36:50
مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {116}مُعَلَّقَةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانْمُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {116}مُعَلَّقَةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانْ الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم{شاعر المائتي معلقة}2020-04-08 07:34:27
ولازلت أبحث عن الانسان!ولازلت أبحث عن الانسان!الدكتوره ريهام عاطف2020-04-07 23:27:18
ليتني أعلم من أناليتني أعلم من أناكرم الشبطي2020-04-07 21:16:19
يعنى احنا ناقصين - زجل -يعنى احنا ناقصين - زجل -عادل حسان سليمان2020-04-06 16:32:46
إعادة ضبط مؤشر اللُّطف!إعادة ضبط مؤشر اللُّطف!مروة عبيد2020-04-06 10:59:59
مساحة حرة
الإمام المهدي .. بين - إيمان العميري .. و.. سهير رمزيالإمام المهدي .. بين - إيمان العميري .. و.. سهير...ابراهيم يوسف ابو جعفر2020-04-09 00:08:06
واجب علينا شكرهمواجب علينا شكرهم ياسمين مجدي عبده2020-04-08 21:05:24
وأنت تقرأ فكروأنت تقرأ فكركرم الشبطي2020-04-08 19:42:49
رسالة إلى محافظ المنيارسالة إلى محافظ المنيامروان حسين2020-04-08 13:31:15
كورونا تضرب أفكارنا قبل أجسادنا!!كورونا تضرب أفكارنا قبل أجسادنا!!د. عبدالله ظهري2020-04-07 14:22:50
الغريب أنني أكتبالغريب أنني أكتبكرم الشبطي2020-04-05 20:49:18
حواديت لميس جابرحواديت لميس جابر ياسمين مجدي عبده2020-04-01 21:48:50
الشباب والعمل التطوعي بقرى مركز أبوقرقاص المنياالشباب والعمل التطوعي بقرى مركز أبوقرقاص المنياحاتم عبد الحكيم عبد الحميد 2020-03-31 16:23:27
المرأةالمرأةأحمد محمود شرقاوي2020-03-28 23:28:44
الكلمةالكلمةكرم الشبطي2020-03-28 21:43:36
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر