GO MOBILE version!
يناير3120201:57:26 مـجمادى آخر51441
التجدبد وأصولية الطيب
التجدبد وأصولية الطيب
يناير3120201:57:26 مـجمادى آخر51441
منذ: 24 أيام, 23 ساعات, 23 دقائق, 49 ثانية

أمَّا اليومَ فأنا بالطيِّبِ قد طابَ جرحي، أمَا وإني والله لأحبُّه، أثيمًا كان أو محقَّا، وإني لو اختلفت معه، على نباغة علمه، ودقة نقله، وقوة حجته، وفصاحة لفظه، وثبوت قوله، وبلاغة شواهده، وإفحام حجاجه؛ أما لعمري لكنت أيضًا أحبُّه، وأجِلُّه مع ذلك، ولَتَخِذْته أسوةً تُحتذى؛ فإن ذاك لإمامٌ قامةٌ، وإني لأحسبُ له من اسمه نصيبا، وإن الطيبَ لطيِّبٌ، وإنه لإنسان جُمِعَ له من النبوغ، والثِقَلِ، والعِلْمِ، وجسارة المواجهة؛ ما ندُر أن يجتمع في إنسان، وما لا يحظى مُحاجِجُهُ بثُلُثِه اليسير.

وأنا على خلاف مذهبه الأصولي الذي يدعو إلى التمسك بالتراث، غيرَ مفرقٍ شَعْرَةً رقيقة بين نقضه ونقده، لكني أحسنت فيه الظن أنه عنى بما ذهب: أن يرفض مبدأ أن نعلق مساوئنا كبشرٍ على أخطاء التراثيين، نأخذ منه ونرد عليه، ولا نلومه، في صدَده، لا ذائدِين عن منافعه، ورأيته– أكثر ما كان يرد على الخُشتِ– يتحدث عن حرب خفية ومؤامرة خارجية، أراد فضحها حتى لا نقع ضحيتها في طريق التجديد.

وبغض الطرف عن اختلافي الدائم مع الأزهرية، الذين لا أرى لهم من فضلٍ على الدين، ولا حقٍ في تمثيلِه، وبالرغم من رفضي الأصولية التي دعىٰ إليها صاحب الفضيلة– فقد كانت ردوده تقشعر بدني من حرارتها، وبداهتها، وحضورها الحثيث الثابت، وتاللهِ لو كنت محاجِجَه لوقعتُ له أسجد سجودَ التحية والتوقير، الذي سجدته الملائكة لآدم، وتأبَّاه إبليسُ؛ ولنزلتُ أقبل رأسه ويديه؛ لأن الفصاحة تستهويني، والبلاغة والحضور العلمي يأسران جُلجُلان قلبي، ويكبحان جماح عقلي، مع أني لا أغير من فكري شيئا، ولكني تعلمت توقير القامات– وحينما أذكر «القامات» فأنا أعنيها جملة وتفصيلا، والأُلَى يستحقونها، ولست أعني الرموزَ التي عُبِدَت، وأولي الألقاب الذين نُصِّبوا، والمتشامخين من مُرتسمي الوقار– وذاكم بأني إنما أمدح خُلُقًا، وطريقةً، وحُجَّةً، وحِنكَةً، واطِّلاعًا، لا مذهبًا، ولا رأيًا، وتعلمت أتصالح وأتقبل كل رأي عدا المتطرِّف، والمتظّرِّف؛ فأولهما- لا نقاشَ معه؛ لأنه سيقتلكَ حِلَّا، والأخير- لا حوار معه؛ لأنه سيقتلك سماجَةً وبَلَهًا، وأنا– على الخِلاف– أتقبل سَمِحًا تقبلني، وأترفع عن الرافضي.

إنما ذاك لرجلُ مَوْقِفٍ، والرجالُ مواقفُ، وإمامُ دينٍ، والأئمةُ قلائلُ، اختلفت معه أو اتفقت، ولو وقفت عنده لذهبَت عن رأسي بناتُها (أي الفِكَر) وما كنتُ لأنْبَسَ بصغيرة ولا كبيرة، وإن حزت من العلوم وفرة، ومن الفصاحة والتكلم جُمَعًا، والسكِّيتُ المُقِلُّ عالمٌ، ولم يُكثِر، والفَيِّهُ الحاذق الذي يفحم هو رجلٌ نابغٌ بليغٌ أَلسَنُ، وقد كان به ونِعْمَ، وإنه لرجلٌ أيُّ رجل، وإمامٌ نِعِمَّا هو، تعلمنا منه أدب السجال، وبسالة الدفاع عن المبدأ، وعن الحق، وجودة التعبير المفسَّرِ على إقلاله، وحضور الذهن الواعي، والفَهمِ المِصْقَعِ الذَرِبِ، ولمستُ في ذَلاقَته إفحام العربِ في بيانهم، وهو البَهْلُ الغَيْضُ في العصر والأوان، وليس يُنقصُ ذاك من قيمة الخُشت من شيء؛ فكفاني مذهبه الذي أذهب، وأدبه الذي حتَّم عليه الإنصات، وردُّه الذي– على اهتزازه– كظم غيظًا، ولم يجانب الأدب.

أما مشكلتي مع التراث، فليس أنه يسوء، أو يجود، بل أنه منقول، غيرَ ممحَّص، ولا جائزًا تفنيدُه، عفا عليه الزمان، ولو كان أنْ عاد فقهاؤه من فنائهم لأتوا بفقه غير، كما تفضل الدكتور الخُشت، لقد دنستْنا بلايا التفاسير والنقول البالية دهورًا، فلا أقول منعتنا التقدم والازدهار، كما تفضل فضيلته رافضًا؛ ولكنها أطاحت بأجيال– وحان وقت قِطافِها– شوَّهت عندهم سماحة الدين، وغرزت في قلوبهم فَصْلَه عن دنياهم، بحجة أنهما لا يلتقيان؛ مع أن الله أنزلَهُ لُحْيِيَنا به، لا يعزلَنا عن الدنيا «استجيبوا لله وللرسولِ إذا دعاكم لما يُحْيِيكم».. ألا فإنها والله تلك، هي التي كانت شوكة عَسِرَةً في حلق الإسلامِ، استمرت قرنًا من الزمان بجهودِ وهابيةٍ متأسلِفَةٍ، وتوجيهاتٍ مقصودة مدروسة؛ لتحصرَ الدين في تلك الصورة دون أريحيَّته القويمة، فتتشكلُ دعوى لرفضه بكل حِوايته، وما بجِعابه من حَسَنٍ أخفوه، وبغيضٍ هم من صنعوه، وأولاءِ صعَّبُوا حتى خلقوا الفجوةَ بين الدين برجاله ومؤسساته وعلومه، ومن صنفوهم «عَوَامَّ» بدنياهم وشأنهم فيها.

أمَا وإن صانعي ما نسميه اليومَ تراثًا، كانوا أصلًا يجددون بحسب ما اقتضاه زمانهم، وقد سهُلَ عليهم ذلك كلُّه، وعَزَّ في زماننا، ولم يناسبُه.. فكما تفضل الطيِّبُ وكررتُ مرارا: ليس العيبُ في مواد التراث، لأنها صُنِعَت لزمانها، ولكن العيب فيمَن نقلوا منها ولم يمحصوا أو يجددوا، وإن الأدعى أن نأخذ نافعها، وندع ما ليس منها نافِعَنا، دون انكباب أعمى، ولا ارتداد عنها مُتَعَنِّت.

أما الطيبُ فكلمته رفضٌ صُراحٌ لتلك السياسة التي قال بدسيستها في صفوفنا لزعزعة الصف، وفرقة الاجتماع؛ وأما قول فضيلته– أصلحه الله– بأن ابن حنبلٍ، وغيره، قالوا بالبحث، والتفكر، دون النقل عنهم، واتباع منهجهم في البحث، والتفكير، والتعلم، لا النتاجات والمذاهب؛ فإنه الأدعى لنقض تمسكه بلقديم، وبالرموزِ؛ لأنه باطلٌ نقله أصلًا دون التعقل في شأنه، كما كان نهى النبي عن النقل عنه (وفيه حديث).

هناك مؤامرة؟ نعم هناك مؤامرة، ولكن دعوة التجديد لم تسُؤ، ولم تكن في غرضها البُطْلُ ولا المؤامرة ابتداءً، وقد أشيد بدعوة السيد الرئيس ومساعِيه في ذاك، بعد كل الذي لقينا من جَهْلٍ رَثٍّ عقيم، يُلزَق بركام الدين، ولكنَّ أياديَ خفية تستغل ذاك؛ فتمتد لتعبثَ، وتَعِيثَ. وإن كنت لا أستلطفُ بن سلمان محمدًا، أؤيدُ دعوته الماحقة لقرنٍ من بلاء الوهابية، أكان يؤمن بصلاحها– وهو مُسْتَبْعَدٌ مع طَيشِ سموه، وإساءة إمْرَتِه، وخِفَّةِ مِرَّتِه– أو كان هو ابتِيعَ مُوَجَّهًا لغرضٍ ظُنَّ به الفتْكُ بالإسلام من منبعِ رموزِه؛ ألا والله فإن تلك الجهود– على العكس– لِعزَّته، وصحيحِ مُعتقَدِه الذي أفسدته الوهابية.

نعم قد يقع البعض فريسة للحرب الشعواء التي يشنها الغرب على الإسلام– وهم عالمون أنه بريء مما يلفقون به– وقد تقع جهودنا نحن ذاتها فريسة لها؛ فتحيد عن التجديد إلى التضليل، قد يكون، وأنا أؤمن أنه لا يمكن للمرء محاربة الحقيقة، وزلزلةً في أصوله؛ لذا قد يكون التمسك بالتراث نافعا بعض حين؛ حتى يمثل الأرض الصلبة في المعركة؛ ولئلا ننشغل بالذَود عنه عن الحقيقة الفظة، ولكن حينما يصل الأمر إلى تشويه العقول، وصورة الدين نفسه، فإنه قد وصل لمرحلة الإضرار، وهنا حان قلعه من الجذور، وزعزعته من الأصول، أو يُصوَّبَ إدامُه الفاسد، ونُفْهم الخلقَ أنما هو مجرد نص مُلفَّقٌ بيد بشر، ليس وحيا، ولا منقحا من خطأ، ولتكن الحرب حربا كما تكون إذن، وكما يجب لها أن تكون.

تلك آفات آن استئصالها، واجتثاثُها، تحت قيادة حكيمة، لتسلمَ البقيَّةُ الباقية؛ أما التراث أكثرُه فموضوع عن ذاتية الفهم، التي لست أطالَبُ بأخذها، أوْ ألغيَ خاصتي؛ وأنه موضوعٌ بعد قرن، واثنين، وثلاثة من عصر النبوة، فهو ليس الأصح، ولكنه أول ما دوِّن ووصل إلينا، ولنا الحق في نقده، والرد عليه.

القرآن لكل زمان ومكان، ولكن تفسيره– الذي يُفَهمُ بنسبية البيئة والزمن– ليس لكل زمان ومكان، وأحاديث الرسول كذلك، وأغلبُ العلوم الدينية المبتدعة؛ ألا فبالله عليك، كيف نحيا في جلباب ثمانمئة سنة مضت؟ كأن العقول أُخِذَتْ منا يوم أُخِذَ العربُ. وأولئك التراثيون في الأصل هم قومٌ ألَّفوا لزمانهم، وتعَلَّموا له، وتعرضوا لمجرياته، ولم يأخذوا عن الأقدمين عليهم نقْلًا ولا صَرْفًا؛ ألا فهلَّا قلدتم في ذاك التراثيين أيضًا؟

أما الأزهر مني فبعيد؛ إذ ليس للدين شأن في سياسة الدولة، وهي مدنية تأخذ بدستور فرنسي الميثاق، ولا للأزهر أحقية في تمثيل الدولة– ولا الدين أصلا– ولا عرقلة مؤسساتها باسم الدين، فإن هو أصاب أثار الخلاف، وإن هو أخطأ حُسِبَ على الإسلام خطؤه، لا نزال نحن نحيا عصر الظلام الأوسطِ الذي اختبرته أوروبا، ونعيش اليومَ محاولة انتقال منه إلى التنوير– وقد يكون إلى الادلهمام والتحقير إذا لم نلزم العناية والتحسس– كأني أرى انجلترا (1530)، تصادم الكنيسة مع الدولة، واختلاف الدين مع السياسة، ولا شأن لذاك بتلك، ولا لتلك بذاك، وهو مؤسسةٌ مستقلة أنشأت فصلًا في الدولة عن الدولة.

الدين أيسرُ من أن يكون مُذَهَّبًا (من المذهبية)، وإنك لكي تعبد الله لا تحتاج أكثر من قلبٍ عارِفٍ ينبضُ بالحب واللين، والرغوب في الاهتداء، والاستنارة؛ وأما سياسةُ العلمانية– التي سأُتَّهَمُ بها– هي في اللغة من العلم، أو الالتفات لعلوم الدنيا– والسياسة علم– وليست تُعنى بتصنيفات حزبية أو ليبرالية مطلقًا، وليس تُعنى بالسياسة أصلًا، بل بالعلوم، على نحو أشمل؛ فهو مذهبٌ في التفكيرِ أراد الاستقلال والتحرر من قيود وسيطرة الخطابات والمؤسسات ذات النكاه الدينية، التي تعرقل سير الحياة في المجتمع خاصةً، وفي الدولة، الموكل بها لم شمل مواطنيها، واستيعابهم على اختلاف دياناتهم، وعقائدهم، ومذاهبهم؛ حتى لا تصير البلاد والعباد إلى ما صرنا نحن إليه قبل 30 يونيو.

كانَ ذاك منذُ عصر النهضة، الذي عرف بزوغه الأول في إيطاليا، في ربوع القرن الرابع عشر الميلادي، داعيًا إلى إقالة الكنيسة عن التصرفِ في أمور الناس باسم الرب، والهيمنة على شؤون الأنام، وسياسة الحُكام، التي قد تقضي بما يخالف رأي رموز الدين، أو يضطرهم لقلب ذمتهم لإرضاء السلاطين، كما كان في عصر الدولة التركية العثمانية البائدة المستعمِرة، وقبلها العباسيين.

أُضيفت في: 31 يناير (كانون الثاني) 2020 الموافق 5 جمادى آخر 1441
منذ: 24 أيام, 23 ساعات, 23 دقائق, 49 ثانية
0

التعليقات

151726
أراء وكتاب
لقاء أولمرت عباس يضر فلسطين ولا ينفعلقاء أولمرت عباس يضر فلسطين ولا ينفعد. فايز أبو شمالة2020-02-10 20:31:40
عملاء عراقيون من طراز خاصعملاء عراقيون من طراز خاصعلي الكاش2020-02-08 21:50:20
في رحلة صوم يونان النبيفي رحلة صوم يونان النبيرفعت يونان عزيز 2020-02-07 15:31:16
كارثة طبيعية أم حرب بيلوجية ؟كارثة طبيعية أم حرب بيلوجية ؟الحسين عبدالرازق2020-02-06 17:38:36
مقاتل بلا اسلحةمقاتل بلا اسلحةد/رشاد حسن العطار2020-02-03 08:41:44
صفقة القرن الفاضحةصفقة القرن الفاضحةجمال المتولى جمعة 2020-02-02 12:13:28
هلا فبرايرهلا فبرايرمحمد محمد علي جنيدي2020-02-02 00:53:36
التجدبد وأصولية الطيبالتجدبد وأصولية الطيبأحمد محمود القاضي2020-01-31 13:57:26
لماذا الناصريةلماذا الناصريةحيدر محمد الوائلي2020-01-30 11:05:20
إبداعات
نار القصائدنار القصائدكرم الشبطي2020-02-10 19:09:10
آسفآسفكرم الشبطي2020-02-09 22:22:05
انعطافات منكسرةانعطافات منكسرةطاهر مصطفى2020-02-05 16:14:25
كحل العيونكحل العيونشاكر فريد حسن 2020-02-03 07:54:13
كورونا.. فيروس ام اختراع سياسي؟!كورونا.. فيروس ام اختراع سياسي؟!هالة ابو السعود2020-02-02 12:17:53
الكائن والممكن والمستحيلالكائن والممكن والمستحيلطيرا الحنفي2020-01-21 02:01:06
لا تصدقيهملا تصدقيهمأحمد يسري عبد الرسول2020-01-20 10:14:07
ألوان الشتاءألوان الشتاءمروة عبيد2020-01-19 19:39:57
ليلةٌ باردةليلةٌ باردةمروة عبيد2020-01-12 12:20:45
في رثاء محمد شحرورفي رثاء محمد شحروربنعيسى احسينات - المغرب2020-01-12 11:13:09
مساحة حرة
عودوا لوطنكم...فهو يحتاجكمعودوا لوطنكم...فهو يحتاجكم ياسمين مجدي عبده2020-02-09 20:25:41
اعترافات متأخرةاعترافات متأخرةمروة عبيد2020-02-08 13:02:37
كتاب قصص الحياةكتاب قصص الحياةرانية محي2020-02-05 23:02:52
كفاح و طموحكفاح و طموحد.أحمد محمد عبدالعال2020-02-03 19:55:00
تألق الشعر العربي بمعرض القاهرة الدولي للكتابتألق الشعر العربي بمعرض القاهرة الدولي للكتابعبدالناصر أحمد الجوهري2020-02-03 13:35:33
إعترافات متأخرةإعترافات متأخرةمروة عبيد2020-02-02 14:41:17
معرض الكتاب الدولي والتيسر علي الروادمعرض الكتاب الدولي والتيسر علي الروادعبد العزيز فرج عزو2020-02-01 22:43:51
درع وسيفدرع وسيفأحمد نظيم2020-01-31 17:05:34
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر