GO MOBILE version!
أبريل26202010:13:06 مـرمضان31441
أضواء على الديانة اليهودية [ 3 ]
أضواء على الديانة اليهودية [ 3 ]
أبريل26202010:13:06 مـرمضان31441
منذ: 2 شهور, 17 أيام, 7 ساعات, 46 دقائق, 34 ثانية

وقد عزز ذلك من منطق المؤامرة عند الإسلاميين وعوام العرب عن اليهود، ثم ربطوا بين اليهودية والماسونية كأشرار خبثاء يتآمرون على العالم وفقا لهذا المنطق، إنما في الحقيقة أن الأمر ليس هكذا، فقصة الماسون بدأت مع الحروب الأوروبية المدمرة في القرن 19 بعدها تشجعت بعض الجماعات للإيمان بفكرة (السلام والتسامح والمساواه) كوسيلة ضغط علي القادة السياسيين لإيقاف نزيف الدم.. ثم ظهرت حركات مرافقة لهؤلاء تنادي بوقف العنصرية وتحريم تجارة الرقيق باعتبار أن البشر واحد لا فضل لأمة علي أخرى إلا بالعقل... ونادت كل هذه الحركات والجماعات بإعلاء العقل والعلم..

هذه الحركات والجماعات هي التي عرفت بعد ذلك بالماسونية، ومن شدة الإيمان بمبادئها اعتنق أفكارها كبار شيوخ وزعماء المسلمين والعرب والمصريين والشوام وقتها لأنها كانت معبرة عن فكر جيد لا سبة أو اتهام، إلى أن قامت الحرب العالمية الأولي فذاع صيت الماسونيين لإيقاف الحرب لكسب أنصار جدد.. ثم قويت شوكتها وصارت حركات كثيرة غزت كل بقاع العالم في الحرب العالمية الثانية..

ثم حدث التحوّل حين أيد المجمع الماسوني العالمي قيام دولة إسرائيل في نهاية الأربعينات لنفس المبادئ التي يؤمن بها وهي حق اليهود في تكوين دولتهم.. هنا كان الفراق بين العرب والماسونية.. وكلما أرادوا إسقاط وتشويه أحد يتهمونه بالماسونية.. ثم ربطوا بينها وبين الصهيونية والمؤامرة العالمية، مع العلم أن الماسون بعد خسارة جمهورهم العربي أنشأوا نوادي بنفس مبادئهم كالليونز والروتاري بمؤتمرات نشطة تقام خصوصا في مصر.. مع إضافة بسيطة وهي إغلاق ملف إسرائيل لحساسيته..

مؤكد أن المجمع أخطأ في دعم إسرائيل كدولة وإحداث هذا الشق الخلافي الذي لم تعترف إسرائيل أيضا بقرار التقسيم سوى ما يخصهم فيه وإنكار حقوق الفلسطينيين إلى الآن.. لكن لا علاقة لذلك بمبادئه السامية منذ البداية، كما أن أفعالك كمسلم وكمسيحي لا تمثل مبادئ دينك العليا، وبالتالي فكل ما يشاع عن الماسونية في الشرق الأوسط هي من خرافات العرب التي لا تنتهي.. وشخصيا ليست لي أي علاقة بهم أو بتنظيماتهم الحديثة ولكن هذا إيجاز فكري لإزالة اللبس وتوضيح بعض المفاهيم..

وعودة إلى العصر الهلنستي فبرأيي أنه شهد عصر الأنوار اليهودي الأول الذي حدث فيه التدوين وتضمنت فيه أغلب شروحات العهد القديم فإضافات الحاخامات بعد ذلك كالتلمود والمدراش وغيرها، ولعل الثورة المكابية اليهودية تعبير واضح عن قوة اليهود فكريا وشعبيا في ذلك الزمن، وقصة تلك الثورة أوجزها بالآتي:

أنه وبعد وفاة الإسكندرالأكبر عام 323 ق.م عن دولة كبيرة تضم من اليونان شمالا إلى مصر جنوبا ثم إيران وخراسان حتى حدود الهند.. انقسم أتباعه لعدة دول تم تقسيم ميراث الاسكندر الخارجي فيها لدولتين فقط هما: البطالمة الذين حكموا مصر وفلسطين ثم السلوقيين الذين حكموا الشام والعراق وبلاد فارس، إلى أن حدث نزاعا بين الدولتين على فلسطين في سلسلة حروب سميت ب (الحرب السورية) في القرن 3 ق.م أدت لانتصار السلوقيين وسيطرتهم على القدس، ومن يومها دخلوا في صراع ثقافي وسياسي مع اليهود كان له تأثيرا على اتجاهات مدوني اليهود في التلمود والإفراط في تفسير تنبؤات أشعيا آخر الزمان..فضلا عن تعزيز معتقد مخلص آخر الزمان الذي بدأ منذ الأسر البابلي.

سمي الزمن بعد موت الإسكندر "بالعصر الهلنستي" لشيوع الفلسفة اليونانية فيه مع النزعة الباطنية والغنوصية الروحية لشعوب الشرق الأوسط،ويمكن تأريخ دخول الفلسفة للشرق الأوسط في هذا العصر تحديدا، وظل من200 إلى 300 عام حتى سقوط أثينا والإسكندرية في أيدي الرومان، قبل ذلك وأثناء الصراع بين البطالمة والسلوقيين انضم اليهود للبطالمة وثاروا ضد ملكهم في القدس "أنطيوخوس الرابع" مستفيدين من الدعم الروماني أعداء السلوقيين الكبار في أوروبا، ومن يومها بدأت صداقة اليهود مع الرومان حتى تجلى بعد ذلك في حادثة صلب المسيح التي صدمت الوعي المسيحي في تعاون اليهود لقتل أعظم وأشهر مصلح ديني واجتماعي في تلك الفترة وهو"يسوع الناصري"

بعد سيطرة السلوقيين على فلسطين قام كاهنا يهوديا اسمه "متى الحشموني" بالثورة على أنطيوخوس الرابع أطلق عليه بعد ذلك "يهوذا المكابي" تيمنا بثورته المسلحة ضد السلوقيين إلى أن جرى تأريخ تلك الثورة في الدين اليهودي ب "عيد حانوكا" الذي نصر فيه الرب يهوه الموحدين الإسرائيليين على الوثنيين اليونان، رغم أنهم كانوا متحالفين مع وثنيين بطالمة في مصر ورومان في أوروبا، لكن يبدو أن الذي كتب التاريخ اليهودي كان يبحث عن انتصار ديني لإسرائيل فوجد ثورة الحشموني مناسبة..

السلوقيون كانوا عقلانيين كالبطالمة مبشرين فيها بالعقل الهلليني اليوناني، أي أن فكرة الحرب الدينية لديهم أو فرض معتقدات دينية ليست واردة، وإلا كانوا دمروا الهيكل ، فلم يجد المؤرخ اليهودي أي فعل سلوقي يبرر ثورة المكابي عليه سوى زعمه أن أنطيوخوس منع عبادة يهوه وأمر بعبادة زيوس، ثم سجل ذلك في سفرين دخلا في العهد القديم، والدارس في الفلسفة اليونانية يرى أن زعمائها السياسيين لم يهتموا بالدين أصلا في الحقبة الهلنستية، فلربما كان سلوكا للعوام يمارسوه بمعزل عن اهتمامات الساسة، وفي ذلك يقول الحاخام "بول شتاينبرج" أن أنطيوخوس كان مجنونا أراد غزو مصر وتخليصها من البطالمة فلم يجد مالا إلى أن سطا على أموال معبد أورشليم ..وهنا غضب عوام الناس وبالذات فقراء اليهود،وأظن أن قول الحاخام هذا يذهب بأن أسباب ثورة المكابيين لم تكن دينية في المقام الأول، بل سياسية واقتصادية.

وما يعزز هذا الاستنتاج فشل أنطيوخوس في احتلال مصر بعد تهديد الروم له بالتدخل، وبعد غزوه لبعض أجزاء مصر اضطر للانسحاب ، وتم اعتبارها هزيمة معنوية للملك السلوقي بحاجة لمحو آثارها فلجأ لقمع الشعب اليهودي الضعيف، ومن هنا تأتي ردة الفعل التي سجلها اليهود في رسائل المكابيين في العهد القديم التي هي المصدر الأول والوحيد لتأريخ الثورة الحشمونية/ المكابية.

أما بالنسبة لكتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" والذي يرتبط غالبا في الذهن الإسلامي والعربي بالمؤامرة اليهودية فلا يُعرف بالضبط من هو كاتبه الحقيقي ونسب الكتاب لزعماء الصهيونية الأوائل محض خرافة..ولفهم قصة الكتاب يجب أن نعلم الآتي:

أولا: لفظ "معاداة السامية" لم يكن موجها لليهود بشكل خاص بل نشأ في بدايته كسبب لحشد عوام أوروبا للحروب الصليبية باعتبار أن أحفاد سام في الكتاب المقدس يسكنون في الشرق الأوسط، وتم إحياء معناه في العصر النازي لأسباب اقتصادية تقول إن كبار رأسماليي العالم كانوا يهودا ، أما هتلر فكان اشتراكيا وقصة خلافه مع الشيوعيين مختلفة حول تصور الاشتراكية من الناحية الفلسفية، وبعد الهولوكوست تم حصر العداء للسامية في الثقافة الأوروبية لليهود خصيصا، وبالتالي لابد من العلم أن الأوروبيين ثاروا تقريبا على معظم تاريخهم القديم واعتذروا عنه في الكتب ومناهج التعليم، وسبب أصيل لكراهيتهم أعداء السامية يعود لهذه الثورة بالأساس

ثانيا: أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20 شهد العالم ظاهرة جماعية بصعود الفكر الاشتراكي والثورة على الرأسماليين في كل أنحاء العالم، وبما إن كبار رأسماليي العالم يهودا فتحولت عواطف النخب والشعب ضدهم بالتعميم على كل يهودي، لاسيما أن جرائم الهولوكوست كانت تعبيرا عن هذا الصعود الاشتراكي..حتى أعدى خصوم هتلر لم يستنكر جرائمه ضد اليهود مما يعني وحدة الهدف المشترك وقتها أما الاستنكار فقد حدث لاحقا بعد قيام دولة إسرائيل وظهور الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، علاوة أن كتاب " بروتوكولات حكماء صهيون" لم يذكر دولة إسرائيل بل يعمم ضد اليهود بشكل اقتصادي وينقل هواجس النخب والعامة لمخططات اليهود بالسيطرة على العالم..وهذا يدل أن انتشار الكتاب حدث في حقبة زمنية كان فيها الجدل الاقتصادي شائعا مع حروب إقليمية وعالمية زودت شكوك الناس حول المدبر الأصلي لتلك الحروب.

ثالثا: الدين اليهودي بشكل عام تم تهذيبه فلسفيا أكثر من مرة أشهرها كما قلنا على يد موسى بن ميمون، ثم على يد الفيلسوف "سبينوزا" في القرن 17 الذي خرج تلاميذه بالمئات يطعنون في صحة العهد القديم رغم انتمائهم في الأخير لليهودية..هنا تحول اليهود لقومية أكثر من دين..ومن تلك القومية أسس بعد ذلك لفكرة قيام دولة إسرائيل على أساس القومية الصهيونية المذكورة في العهد القديم ليس على أساس ديني ، لذلك طابع إسرائيل كان ولا يزال قومي ولا يهتم بتطبيق الشريعة اليهودية كما نظن

رابعا: كتاب بروتوكولات حكماء صهيون منتشر جدا ويعد من أكثر 10 كتب انتشارا بين المسلمين والمسيحيين بدوافع خاصة لكل منهم ، فالمسلمين مثلا تأثروا بالنظرية القرآنية المشككة في صدق بعض اليهود فتم تعميمها على كل منتسبي الديانة بعد قيام إسرائيل، والمسيحيين تأثروا بوشاية اليهود على المسيح للرومان..بالتالي قبلوا الكتاب عاطفيا من الناحية الدينية برغم أن طبيعة الكتاب اقتصادية فيها لمحة بقيادة الحاخامات لمجتمع اليهود بإحداث الفوضى والسيطرة على العالم..

خامسا: مؤلف الكتاب استعار بعض الجمل من كتاب "الأمير" لميكافيللي ويعد هذا الكتاب في رأيي من أسوأ الكتب في إدارة شئون السياسة من الناحية الأخلاقية، لاسيما أن عنوان الكتاب يقول باتفاق حكماء صهيون على بروتوكول جامع..ولا أعلم كيف تتفق جماعة ما على الشر وتبرره أخلاقيا بهذه الطريقة السينمائية؟..قولا واحدا..مؤلف الكتاب كان متأثرا بنظرية المؤامرة فتم إسقاطها بشكل معاد لليهود، الإسرائيليين نفسهم يقولون لا نعلم هذا الكتاب ولا نتداوله ولا نعرف مؤلفه بل يحتقروه لأنه كان سبب طردهم من بعض مجتمعات أوروبا ودافع عند النازيين لقتلهم، وهذا ليس تبرئة للصهيونية فهم مجرمين محتلين ومغتصبين للأرض..لكن الحديث بشأن الكتاب يجب أن يكون منفصل معرفيا عن قصة قيام دولة إسرائيل لأن الكتاب كان متداول عالميا قبل قيام إسرائيل بعشرات السنين، وبالتالي فهم قصة الصهيونية من العهد القديم وتتبع سلوك وتاريخ زعمائها المعاصرين سيقرب لنا فهم مجتمع إسرائيل وأساس مشكلة فلسطين، وبرأيي أن موسوعة المسيري في ذلك حققت جانب معرفي كبير وساهمت في التعرف عليها من الناحية الإبستمولوجية.

سادسا: توجد قصة شائعة عن مصدر كتاب البروتوكولات وهي ، أنه وفي خلال القرن 19 ارتكب الإمبراطور الفرنسي "نابليون الثالث" جرائم ضد المعارضة فاستدعى ذلك كاتبا يدعى "موريس جولي" لكتابة مؤلف بعنوان "حوار في الجحيم بين مونتسيكيو وميكافيللي" انتقد فيه نابليون الثالث وصوره بالشرير المتآمر، هذا الكتاب هو أصل " بروتوكولات حكماء صهيون" فتم استبدال نابليون باليهود وظلت عبارات ميكافيللي فيه كما هي، أما الذي نقل الكتاب ليصبح ضد اليهودية هو مفكر ألماني يدعى "هيرمن غودشه" Hermann Goedsche كان معاديا للسامية وتصور لقاءات سرية بين الماسونية واليهود في رواية مشهورة اسمها "بياريتز" Biarritz على إسم بلدة فرنسية، وقتها كانت الماسونية شئ جيد فتم رفض كتاب غودشة لكن قبلوه بعد ذلك وقت صعود الاشتراكيين خصوصا أثناء وبعد الثورة البلشفية.

سابعا: تم طباعة كتاب البروتوكولات سنة 1895 بناء على رواية غودشة وإضافة أشياء أخرى هامشية لكن صلب الكتاب يعتمد على تلك الرواية..لكن لم يعرف بالضبط من الذي طبع الكتاب ونشره ..إنما الأوربيون يعتقدون أن مخابرات روسيا هي التي قامت بذلك بهدف تصوير المؤامرة الرأسمالية ضد العالم..وقتها لم تكن الشيوعية تمكنت في روسيا بل ثورة اشتراكية كامنة في صدور الروس وبعض النافذين في الدولة، أما طبع الكتاب ونشره فقد بدأ من روسيا بعد ذلك ثم انتقل لألمانيا مستفيدا من الخيال الأدبي لغودشة ومن المشاعر الاشتراكية الجامعة بين السلاف والألمان، حتى انتشر بين الألمان وصارت قناعة شعبية بخطر اليهود على الحضارة الغربية بل وعلى الإنسانية كلها، أما العرب فلم يعرفوا الكتاب سوى في الحقبة الناصرية بالتوازي مع حروب إسرائيل في المنطقة..ولأنه جاء موافقا لسلوك صهيوني تم التعميم واعتبار الكتاب حقيقة تاريخية برغم أن أصوله كما قرأتم مجرد إسقاطات على حكام فرنسا في القرن 19 وروايات أدبية معادية للسامية جذورها ممتدة من الحروب الصليبية ومستفيدة من التطرف المسيحي في تصوير الصراع مع شعوب الشرق على أنه صراع وجود وليس مجرد خلاف ديني...

أعلم أن كثيرا سيختلفون حول هذا الطرح..لكن أدعوك في المقابل للسؤال عن مصدر الكتاب ومصنفه الحقيقي ، ومن هم الحكماء الذين اتفقوا في البروتوكول؟ وما معنى العداء للسامية بعيدا عن قصة حرب اليهود؟ فالمؤكد عندي أننا نحن شعوب ثقافتها ضحلة ومتأثرة بنظرية المؤامرة والهواجس الشكوكية نحو الآخر ..بالخصوص في زمن الحرب، وقد حدث أن تحولت سطور الكتاب بشكل مجازي على أمريكا وقبل ذلك بريطانيا وفي الخليج تنطبق على إيران ولكن وقتها يتحول اللفظ إلى " بروتوكولات حكماء المجوس" المهم أن العدو دائما متربص ومتآمر وعدو للإنسانية..برغم أن العرب والمسلمين يعادون أنفسهم أكثر مما عادوا الآخر فيسقطون كل معاني البروتوكولات على مخالفيهم ، ومصدر ذلك هو العجز عن تصور معنى الخلاف السياسي وإدارة الصراع..برغم أن فكرة إدارة الصراع السياسي هي فكرة علمية أصبح معترف بها ضمن أصول السياسة وتدرس في الجامعات لتعليم الأجيال الجديدة كيف يديرون خلافاتهم بعيدا عن الدين والعواطف.

أما الصهيونية بالعموم فهي اتجاه أصولي قومي راديكالي، نال إعجاب متعاطفين مسيحيين ومسلمين، وعليه فما أحدثته من صراع في فلسطين جوهره ليس دينيا بل قوميا سلاليا مكتسب للمحة الشعبية التي سقناها منذ قليل كمحور للدين اليهودي، وبالتالي فاليهودية الآن جانب منها ليس طقسيا شعائريا بل سلاليا قوميا، ولدينا نموذج واضح في المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية اليهودي بيرني ساندرز ومع ذلك كان مع الاتفاق النووي مع إيران وحل الدولتين العادل في فلسطين، وضد قمع إسرائيل لأصحاب الأرض، أما ترامب الذي هو مسيحي الديانة هو صهيوني كنتنياهو بالضبط..أراد التفضل على إسرائيل بقرار مهم يُعيد لمملكة يهوذا مجدها التاريخي في عصر سليمان، وهذه قصة أخرى تجعلنا نخوض في هوية الجمهوريين بأمريكا وقصة الأصولية المسيحية الصهيونية بينهم.

التوراه نفسها في سفر الخروج الإصحاح 23 تقول "لا تقمعوا الغريب لأنكم كنتم غرباء في مصر"..وهذا لو طبقه اليهود ما وقعوا في مأساة فلسطين، وبقية الآيات نصائح أخلاقية رائعة يتحلى بها بعض اليهود، لكن الصهاينة تركوا كل هذا وتأثروا بالتلمود المكتوب في الأسر البابلي، بينما طبيعة أي كتابة في السجن أو الأسر تكون مليئة بالخرافة والوهم والعنف ضد الآخرين، ومؤلفي التلمود هم من يحكمون نتنياهو الآن وترامب ومن سار على شاكلتهم من العرب والمسلمين..بالضبط كما يحكم ابن تيمية الآن بكتابه "منهاج السنة" رؤوس الدواعش في قتلهم للعراقيين والسوريين..

أما عن العلاقة بين المذكور في التناخ اليهودي وعلم الآثار فهو مبعث شك كبير دفع العديد من الباحثين لنفي شخصيات وأحداث الكتاب المقدس تاريخيا، وفي تقديري أن هذا تهور واستباق لحقائق العلم، فالثابت أن هناك أربعة شواهد ذكرت في الكتب المقدسة وتم اكتشافها بعلم الآثار هي:

أولا: شعب إسرائيل وقد ذكر في لوحة مرنبتاح إبن رمسيس الثاني في القرن 13 ق.م

ثانيا: الملك شيشنق ذكر في سفر الملوك اليهودي كملك مصري غزا شعب يهوذا وأسره إلى مصر، وقد تم اكتشاف آثار الملك في معبد الكرنك ونقوش له في تل مجدو في القرن 10 ق. م

ثالثا: مملكة موآب وقد ذكرت في سفر الملوك أيضا علاوة على سفر التكوين كشعب لإبنة لوط الكبرى، وتم اكتشاف الإسم بلوحة الملك "ميسا" أو "ميشا" ملك موآب في الأردن خلال القرن 9 ق.م تخليدا لذكر أحد آلهة الكنعانيين القدامى واسمه "شيموش" وبرأيي أن هذا الإله هو "شمشو" رب الشمس أخو الإلهة "عشتار" أبناء الإله "سين" رب القمر في الديانات السامية القديمة.

رابعا: اللوحة الأنثوية في القرن 8 ق.م التي تحكي نقل مياه "جيحون" وهو نفق صناعي لا يعرف صاحبه لكن ذكر في الكتاب المقدس قبل سليمان، ومهمته نقل مياه المطر من جبال يهوذا العالية إلى أورشليم في الأسفل، وتم اكتشاف اللوحة في القرن 19 لتحفظ في متحف العثمانيين باسطنبول..

المضحك أن المحدثين المسلمين نقلوا عن أبي هريرة قوله أن "سيحون (وجيحون) من أنهار الجنة" ولأن نفق جيحون قديم جدا فقد أطلق على عدة أنهار في أفريقيا وآسيا تيمنا بما ذكر في الكتاب المقدس، مما يؤكد تأثير اليهود الثقافي على حضارات المشرق ،وأبي هريرة موصوف بأكثر الصحابة نقلا عن اليهود بالعموم لعلاقته بكعب الأحبار مما جعله أكبر مصدر لنقل الإسرائيليات للإسلام..

وفي هذا السياق كتبت الدكتورة آمال ربيع كتاب.."الإسرائيليات في تفسير الطبري"..وفيه تأتي بالنص من تفسير الطبري وأصله من كتب التوراه باللغة العبرية ثم ترجمته بالعربية، وبرأيي أن كتابات الطبري كانت جامعة لجل مجهود المسلمين الأوائل الذين تأثروا بالثقافة اليهودية، وفيه ترجح الدكتورة آمال ربيع أن بعض نسخ التوراه كانت مترجمة للعربية في عهد النبي، وأن وجود اليهود والنصارى - قبل الإسلام - يدل على وجود لغة مشتركة بينهم وبين العرب أدى لفهم النبي وصحابته لغة العبرانيين..وترجمة كتابهم المقدس، بخلاف الرأي الشائع أن الاسرائيليات دخلت التراث الإسلامي مع أول ترجمة عربية للكتاب المقدس من القس يوحنا أسقف أشبيلية في الأندلس في القرن 8 م، ثم جاء يهود كسعديا الفيومي وموسى بن ميمون وابراهام بن عزرا وترجموا وشرحوا التوراه باللغة العربية.

أختم بأن الموقف اليهودي الظاهر من الأفكار الاشتراكية وميل اليهود غالبا للمعسكر الرأسمالي الغربي تفسيره الوحيد يكون على مسارين اثنين:

الأول: ربط الاشتراكيين بالإلحاد مما يهدم أصول التوراه والإيمان اليهودي، وفي هذا المسار ينشط اليهود المتشددين في الضغط على جماعاتهم الكبرى للانحياز ضد اليسار بالعموم، وفي نفس المسار يقف أصوليي المسلمين والعرب شركاء لأصوليي اليهود مما يفسر الشبه الكبير بين تصرفات وانحيازات كلا الفريقين سياسيا، فكلاهما أعداء للشيوعية والإلحاد ويريدون تدمير الاشتراكية مع وصف معتاد للمعسكر الغربي المسيحي بالقرابة الدينية والمصالح المشتركة.

الثاني: نداء الاشتراكيين بالمساواه وإلغاء كل حواجز الدين والنسب والقومية من معايير التفاضل، وفي هذا المسار يقف اليهود بكل طوائفهم تقريبا لاعتقاد نفسي بالتميز السلالي الأصيل من ذرية سام بن نوح ومن ذرية إبراهيم بن تارح، وفي نفس المسار يقف العرب القبليون شركاء مع اليهود بالتميز السلالي وشرف الانتماء لقبيلة إبراهيم والنسب العربي كما تقدم.

أما من حيث السلوك فجميعهم يؤمنون بملاحم آخر الزمان – يهود وسلفيين وعرب - ليس كقصص أسطوري، ولكن (كتنبؤات سياسية حتمية) تجعل اليهودي والسلفي بالعموم يتصرف كما لو كان يعلم ما يحدث غدا..بالتالي فالنصر قادم حتما مما يعطيه الثقة نفسيا ويورث هذه الثقة لذريته وتلاميذه من بعده، فإذا كان اليهود منذ السبي البابلي يتصرفون بهذا الشكل فالحنابلة بالذات قلدوهم منذ محنتهم مع المأمون والقادر بالله العباسيين الذين اضطهدوهم، لاسيما أن الحنابلة لم يحكموا أبدا سوى مع الحركة الوهابية وبعدها، كذلك اليهود لم يحكموا منذ انهيار مملكة يهوذا على يد نبوخذ نصر، وبالتالي تكوين دول وحركات سياسية لهم مؤخرا يدل على تحمسهم واعتقادهم أنهم في آخر الزمان أو قرب دولة المسيح، وبالتالي تكون أي أفكار عن المساواه والإخاء أو الشك الديني خارج ما ورثوه من الأنبياء والأئمة هو (انحراف) يجب التصدي له لتحقيق دولة المخلص..
------
بقلم / سامح عسكر
كاتب وباحث مصري

أُضيفت في: 26 أبريل (نيسان) 2020 الموافق 3 رمضان 1441
منذ: 2 شهور, 17 أيام, 7 ساعات, 46 دقائق, 34 ثانية
0

التعليقات

152899
أراء وكتاب
الومض الثالث كورونا ...ومضات للعالمالومض الثالث كورونا ...ومضات للعالمرفعت يونان عزيز2020-06-16 16:42:26
اعدلوا بيننا.. حتى لو.. صحيا !!!اعدلوا بيننا.. حتى لو.. صحيا !!!الدكتور ميثاق بيات الضيفي2020-06-16 10:19:27
زواج مسلمة من كتابيزواج مسلمة من كتابيالدكتوره ريهام عاطف2020-06-16 02:15:59
انها... للقانون قاهرة !!!انها... للقانون قاهرة !!!الدكتور ميثاق بيات الضيفي2020-06-10 18:42:51
الآن حصحص الحق يا فخامة الرئيسالآن حصحص الحق يا فخامة الرئيس سليمان الجاسر الحربش2020-06-09 18:34:51
أقلام وإبداعات
شعاع على قصيدة عذابات هاملت/ للأديب المصري صابر حجازيشعاع على قصيدة عذابات هاملت/ للأديب المصري صابر حجازيبقلم ا لأكاديمية .. كلستان المرعي من سورية 2020-06-19 21:10:52
أبيض على وزن أفعلأبيض على وزن أفعلإبراهيم يوسف2020-06-17 16:20:50
قطار حياتي.. (قصيدة مترجمة )  /  ترجمة الشاعر بنعيسى احسينات - المغربقطار حياتي.. (قصيدة مترجمة ) / ترجمة الشاعر...بنعيسى احسينات - المغرب2020-06-14 19:19:14
لا مكان لإثارة الفتنةلا مكان لإثارة الفتنةرفعت يونان عزيز2020-06-13 18:39:40
الغذاء وسرطان المبيض للنساءالغذاء وسرطان المبيض للنساءد مازن سلمان حمود2020-06-13 17:38:28
مُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {130}مُعَلَّقَةُ رِجَالٍ فِي ظِلَالِ الْقُدْسِ الشَّرِيفْمُعَلَّقَاتِي الْمِائَتَانْ {130}مُعَلَّقَةُ رِجَالٍ فِي ظِلَالِ الْقُدْسِ الشَّرِيفْ الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم{شاعر المائتي معلقة}2020-06-13 11:15:54
قصيدة إلى أخي أبيض اللون..قصيدة إلى أخي أبيض اللون..بنعيسى احسينات - المغرب2020-06-08 19:49:50
مساحة حرة
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر