GO MOBILE version!
مايو820204:36:43 مـرمضان151441
فضيحة فصيحة
فضيحة فصيحة
مايو820204:36:43 مـرمضان151441
منذ: 18 أيام, 11 ساعات, 22 دقائق, 27 ثانية

 

في أحد الأيام كان هنالك رجل دين بسيط غير معروف إعتاد أن يُلقي محاضرة إرشادية من على منبر مسجدٍ صغير وسط أحد الأحياء السكنية الفقيرة بعد أداء صلاة الجماعة.
صادف في ذلك اليوم وجود رجل دين كبير معروف ذو هيبة ماراً بسيارته فسمع الآذان فتوجه تلقاء مسجد الحي الفقير لأداء فرض الصلاة.
لدى دخوله وقف له الجميع شاقين الصفوف ليتخذوا له مساراً واضحاً لصدر الصف الأول محيين له ومهمهمين بينهم. كان إمام المسجد وخطيبه قد بدأ قبلها بمقدمات الصلاة بمحراب المسجد.

إنتهت الصلاة، فقام رجل الدين (البسيط) (الغير معروف) ليؤدي تحية السلام لرجل الدين (الغير بسيط) (المعروف) الذي بقى جالساً يتظاهر بعدم الأنتباه وبكثرة التسبيح (مظاهر جميلة) حيث كان له أن يحرك جسمه لينهض مبادلاً السلام بأحسن منه، لكن في النفوس خيال وتصورات تُرضي بعض الناس ولا ترضي اخرين.

يبدأ التكبر شعوراً نفسياً يغذيه الأنصار وهوى النفس بمظاهر تعزز من غرورها فيزداد ويزداد مع زيادة الشهرة ومع زيادة الرصيد الأعلامي والألكتروني حتى تصير النفس محاربة للنقد، كارهة للنصيحة، مستنكفة عن بسطاء الناس، راغبة باخرين مميزين وحسب المزاج.
لا تحب هكذا نفس أن تعتذر فدائماً ما يوهم صاحبها نفسه بعدم التقصير وبأنه حتى مع اخطائه فهي خطئ النزر اليسير، مغالطاً الحقائق كذباً وتدليساً كي لا يُسجل للنفس هزيمة فتهتز الصورة المغرورة أمام الناس وأمام صاحب النفس المغرورة نفسها.

بعد الأنتهاء من التحية وكثرة السؤال عن راحته وصحته، فتوجه من عنده تلقاء المنبر جنب محراب الصلاة لألقاء المحاضرة كما جرت العادة، فوقف رجل الدين ذو الهيبة ليسير بضع خطوات معدودة إلى جانب المنبر الأيمن ليتخذ مكانه جالساً، متكئاً على الحائط مستدبراً القبلة مواجهاً بقية وجوه الناس الناظرة.

جرت العادة أن تُفتتح المحاضرة القصيرة عقب الصلاة بآيةٍ من القران الكريم أما تبركاً بها أو لأنها مورد بحث سيأتي شرحه وتفصيله بصورة مبسطة للعامة من الحاضرين.
تلى صاحبنا يومها الآية الثانية من سورة فاطر: (مَا يَفتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
وتعني ببساطة أن مفاتيح الخير والرحمة بيد الله يفتحها ويغلقها بقوة (العزيز) الذي قهر الأشياء كلها وبتصرف (الحكيم) الذي يضع الأشياء مواضعها، وفي النهاية أنما أمره أن يقول للشيء كن فيكون.

أثناء القراءة نسي رجل الدين (البسيط) وربما لتوترٍ من جلوس رجل الدين (المعروف) تحت منبره فأخطأ بقرائته بأن قرأ كلمة (يفتحِ) حيث الحاء في الأية الكريمة مكسورة فقرأها بالفتحة (يفتحَ) وهذا خطأ ممكن تلافيه عند الخوض في الموضوع ولربما سقطت سهواً من عنده، فحتى عامة الناس من الجالسين قد لا يعرفون الفرق بين الفتحة والكسرة في هذه الكلمة ولا يعرفون مغزاها بانتظار الشرح والتفصيل، ومنهم ممن لا يعرف اللغة الفصيحة فينتظرون المحاضرة التي يلقيها عليهم الرجل بصورة مبسطة وبلهجتهم وبطريقة يفهمونها.

على الفور دوى صوت عالٍ من أسفل يمين المنبر أربك الحاضرين مرة وأربك راقي المنبر مرة ومرة!
كان ذاك صوت رجل الدين ذو الهيبة متكلماً جهورياً ليُسمِعَ حضور الناظرين مقاطعاً صاحب المنبر دون إستئذان قائلاً بلغة فصيحة:
(الله يكسر وأنت تفتح)؟!
فما كان من رجل المنبر البسيط وسط الإحراج أمام الناس إلا أن يجيبه بصوتٍ أعلى حيث كان الميكروفون ملامساً لشفتيه قائلاً:
(والله يستر وأنت تفضح)؟!

كانا جوابين. واحدٌ يتمسك بالشكليات والضوابط والمظاهر واخر يتمسك بالأخلاق والتدبر والسرائر.
إن ما يؤمن به قلبي أن جواب القلب والضمير وجمال الذوق والأخلاق هو أكثر حكمة وأدق صواباً من شكليات وإحراجات واهانات بمختلف الحجج.
أستمر الرجل بمحاضرته فعدم الأكتراث و(التطنيش) مهارة كبيرة من مهارات العقل لتواصل ولا تنكسر رغم وجود بعض المنغصات.
ربما دارت في نفس صاحبنا الغير معروف ندم أن بالغ بإحترامه وكثرة سلامه عليه، ليغادر رجل الدين ذو الهيبة مباشرة عقب انتهاء المحاضرة مودعاً الجميع بصيغة الجمع.

هذه الهيبة التي أصبح الكثيرون يعدونها للأسف من لوازم رجال الدين وحتى رجال السياسة، حيث المظاهر والهيبة والمجلس المتميز والأحترام الواجب تقديمه يجب أن تأخذ مكانها بعناية عند تواجد أي مرتدي زي رجل دين أو صاحب منصب أو من له شهرة اعلامية وليس لفكرٍ وعبقرية ونباهة وإصلاح تميزوا به، بل على الأغلب لشهرة أعلامية أو الكترونية أو لزيادة في بعض الأتباع.

متى تكون النصيحة فعلاً نصيحة وليست فضيحة؟
ومتى يكون البحث عن أثر الأصلاح بالنصيحة بدلاً من جعلها كفضيحة؟!
من أساسيات النصيحة وهذا إسمها إجتماعياً وفقهياً (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) عدم الأحراج والحط من شأن الشخص المنصوح وتوخي الحذر بأن لا تكون النصيحة إهانة أو تعتبر إساءة على المستوى الشخصي أو الأجتماعي.
ومن أساسياتها أيضاً إحراز أن يقبل المقابل النصيحة وأن تكون ذات ضرورة منطقية أو ستدفع ضرراً قد يقع لو لم يقدم النصيحة، وكذلك وهو المهم أن تفكر جيداً بحكمة نصيحتك ومدى أثرها وتأثيرها وهل هي فعلاً نصيحة أم كلام فارغ لا محل له من العقل ولا من الأخلاق.
يجب أن لا تكون النصيحة تدخلاً فيما لا يعنيك وما لا تعرفه وأن لا تكون فضول وحشر أنف في أمور خاصة وحتى عامة هي ليست من شأنك.

كنت قد كتبت مقالة قبل فترة بعنوان (رأي وخصوصيات وحشريين) تناولت فيها من يبحث عن التسقيط والتشهير بخصوصيات الناس أو البحث في حياتهم الشخصية وعيوبهم للتسقيط الأجتماعي لمجرد خلاف في الرأي.

ينبغي أن تكون النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سترٌ لا فضيحة، وأن تكون توجيه لا جبر ولا غصب ولا عصبية ولا تجاوز على حقوق الاخرين، ولا أن تكون قلة ذوق، ولا أن تكون ممن هم أولى بنصيحة أنفسهم قبل نصح غيرهم.

أُضيفت في: 8 مايو (أيار) 2020 الموافق 15 رمضان 1441
منذ: 18 أيام, 11 ساعات, 22 دقائق, 27 ثانية
0

التعليقات

153089
أراء وكتاب
مواقف مخزيةمواقف مخزيةالدكتوره ريهام عاطف2020-05-16 21:28:36
أجراس  التظاهرات تقرع من جديدأجراس التظاهرات تقرع من جديدعلي الكاش2020-05-08 20:43:16
فضيحة فصيحةفضيحة فصيحةحيدر محمد الوائلي2020-05-08 16:36:43
الأخلاق  .. حجر الأساس لبناء مصنا الغاليةالأخلاق .. حجر الأساس لبناء مصنا الغاليةنبيل المنجى محمد شبكة2020-05-08 14:51:32
الغذاء ومرض الزهايمر (الخرف)الغذاء ومرض الزهايمر (الخرف)د مازن سلمان حمود2020-05-07 23:31:28
الأنظمة التربوية قلقة بشأن تقييم الطلبةالأنظمة التربوية قلقة بشأن تقييم الطلبةالدكتور: رشيد عبّاس2020-05-07 10:55:57
هل نحن صائمون أم عن الطعام ممتنعونهل نحن صائمون أم عن الطعام ممتنعوندكتور / محمد زهران زايد2020-05-05 17:39:30
الكورونا.. ماذا لو كانت.. حربا نفسية !!!الكورونا.. ماذا لو كانت.. حربا نفسية !!!الدكتور ميثاق بيات الضيفي2020-05-04 19:51:18
لماذا كان الله وحده القيوم ؟لماذا كان الله وحده القيوم ؟أحمد الديب 2020-05-04 19:23:54
أقلام وإبداعات
لست بإلهلست بإلهالدكتوره ريهام عاطف2020-05-10 05:34:31
كل الطُّرق تؤدي إلى الصفر!كل الطُّرق تؤدي إلى الصفر!مروة عبيد2020-05-09 18:18:42
ليالينا 80 ... في صالون النوستالجياليالينا 80 ... في صالون النوستالجياايفان علي عثمان 2020-05-08 00:03:05
هالة الملح والألوان ... قصيدةهالة الملح والألوان ... قصيدةايفان علي عثمان 2020-05-06 12:43:42
النحات ... إقنعة الضوءالنحات ... إقنعة الضوءايفان علي عثمان 2020-05-05 22:11:49
نسياننسيانالشاعر / أيمن أمين2020-05-04 19:09:51
فتاة غير تقليديةفتاة غير تقليديةالدكتوره ريهام عاطف2020-05-04 05:48:44
مساحة حرة
أحمد المنياوي ، صديق بدرجة أخأحمد المنياوي ، صديق بدرجة أخعمرو أبوالعطا 2020-05-08 23:43:46
في وقت الشدائدفي وقت الشدائدد. عبدالله ظهري2020-05-08 12:20:56
سر الجاذبيةسر الجاذبيةكرم الشبطي2020-05-06 18:26:43
هي فرصة خير .. فعسى أن نكره ما هو خير لناهي فرصة خير .. فعسى أن نكره ما هو خير...حاتم عبد الحكيم عبد الحميد 2020-05-06 16:44:23
خواطر أكتبها للمستقبل (فيروس كورونا) 7 -12خواطر أكتبها للمستقبل (فيروس كورونا) 7 -12سعيد مقدم أبو شروق2020-05-06 08:13:08
ذكريات الاصدقاءذكريات الاصدقاءكرم الشبطي2020-05-04 18:22:10
عربيعربيكرم الشبطي2020-05-02 19:48:12
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر