GO MOBILE version!
يوليو1720203:33:08 مـذو القعدة261441
رَشَاقةٌ جديدةٌ في بعض حياتنا..
رَشَاقةٌ جديدةٌ في بعض حياتنا..
يوليو1720203:33:08 مـذو القعدة261441
منذ: 4 شهور, 17 أيام, 17 ساعات, 25 دقائق, 16 ثانية

عرفنا الرشاقة زمنا في الجسم المشدود والقوام الممشوق، كما عرفناه أيضا في اللغة والأسلوب، والسرد من خلال انسيابية انتقال السارد من ضمير المتكلم إلى ضمير المخاطب وأجمله حين تقترن الرشاقة السردية بعاملي الإثارة والتشويق، ومن الرشاقة عرفنا "ابن رشيق القيرواني" الأديب البليغ، والناقد المعروف بأشهر كتبه "العمدة في معرفة صناعة الشعر ونقده وعيوبه"، لكن هناك رشاقة جديدة غزت بعض ميادين حياتنا العملية وما كان لأحدٍ أن يتخيل أن هذه الميادين ستتسع أو ترحب أو تقترن بالرشاقة أبدا!

ربما لكوني رجلا درس الإدارة ومارسها زمنا، كما خاض مجال المحاسبة زمنا أيضا وقعتُ على هذه الغزوة الجديدة للرشاقة التي لن تُغري أي أديب أو كاتب في تعقبها خارج حصونها التي أشرتُ إليها في المقدمة، فهل يتصور أن تقترن الرشاقة بالتفكير، أو تقترن بالتصنيع أو الإنتاج، أو تقترن بالإدارة، أو تقترن بالاستراتيجية، أو تقترن بالحكومة وبالتنظيم أو المنظمة كما تقترن بالمحاسبة وأدواتها؟!

وإذا كانت "الرشاقة" في أحد معانيها حسن القامة ولطفها، فمن معانيها أيضا الخفة والسرعة في العمل، وربما كان هذا المعنى هو الذي أغرى بعض علماء الإدارة في جذبها لميادينهم لكونهم رأوا أن لهم فيها نصيبا فرطوا فيه زمنا حتى استولى عليه الأدباء، فألصقوا الرشاقة بالتفكير الذي هو استراتيجية لتأسيس شركات ناشئة تستند منذ بدء تشغيلها على إعلاء القيمة والحد من الفاقد، وقرنوا بين الرشاقة والإنتاج أو التصنيع بأن يأتي خاليا من الهدر أو الفاقد باعتباره وسيلة منهجية للتقليل من النفايات لكونها تمثل عبئا زائدا فيتخلصون منها دون أن يوقفوا الإنتاج، وهو ما أوجب استحداث ما يُسمى بـ "التيسير الرشيق" الذي عرفته المؤسسات اليابانية والأمريكية وخاصة اليابان التي خرجت من حربين عالميتين وحاولت اللحاق بركب التقدم من خلال تطبيق هذه الدينامية التي تستوجب القضاء على كافة مصادر التبذير والإسراف في الوقت والمواد والموارد، وتعظيم هوامش الربح، وتفعيل الرقابة المحكمة والفعالة، وإنتاج مخرجات مقترنة بالجودة في ظل أجواء تنافسية لن تسمح بالبقاء إلا للأفضل.

لقد استلزم دخول الرشاقة في الإنتاج والتصنيع أن يتوازى معه ـ أي التصنيع الرشيق ـ وجود قيادات مدربة على الإدارة الرشيقة التي تسير في ذات الاتجاه الذي يعتمد على الاستجابة الفورية لكافة المتغيرات المستجدة وسرعة التعامل معها من خلال تعديل أسلوب العمل بصورة مناسبة وانسيابية؛ فالإدارة الرشيقة خفيفة الوزن والحركة، مرنة، متطورة، تقبل بالتحدي، ولا تخشى المنافسة، وتنبذ الكلاسيكية، والجمود، والثبات، وتثبيط الهمم وهذه أهم صفات أو نكبات الإدارة المترهلة التي عجزت أوصالها ومفاصلها عن الاستمرار في المنافسة، وهو ما استلزم أن يكون هناك أدوات محاسبية رشيقة تواكب التطور الحادث وبعيدة كل البعد عن النظريات المحاسبية الجامدة التي تعلمناها وطبقناها في شركاتنا ومؤسساتنا.

لقد دخلت الرشاقة بعض حياتنا، والـ "نا الدالة على الفاعلين" هنا تخصنا كبشر لكنها لا تخصنا كعرب ـ في أغلبنا ـ لأن حياتنا على المستويين الرسمي والخاص مازالت بعيدة كل البعد عن القيادة الرشيقة وأدوات إدارتها ويكفي للدلالة على ما أقول أن نلقي نظرة على حال الأسرة العربية الفاقدة لثقافة ترشيد الاستهلاك التي تحدثتُ عنها طويلا في كتابي: "ثقافات مفقودة في عالمنا العربي المعاصر".

وهو ما يفرض في التو أن نتواجه بالعديد من الأسئلة التي يَلزم أن نجيب عنها بلا مواربة أو تحليل أو تعليل ـ كما تعودنا ـ في أغلب نقاشاتنا التي لا تساعدنا سوى في التكيف مع كل سيء قائم دون السعي أو محاولة السعي لتغييره، ذلك أن التبرير ليس فيه مشقة أو فعل بينما يستلزم التغيير حركة وعملا. ومن هذه الأسئلة:

هل التزمنا بالحوار الرشيق داخل مؤسسة الزواج سواء بين الزوج وزوجه أو بين الزوجين وأولادهم؟ هل التزمنا بها داخل مؤسسات العمل بين الرئيس ومرؤسيه؟ هل تعلمنا الرشاقة في أسلوبنا عند التعامل مع المخالف لرأينا فاحترمنا وجهة نظره بل ونفذنا مقترحه أم سفهناه وحططنا من شخصه ومااقترح؟ هل دخلت الرشاقة في معاملاتنا اليومية على كافة الأصعدة؟

في الوقت الذي تحدث فيه عالم الاجتماع البريطاني "زيجمونت باومان" عن السيولة في العلاقات السائدة في عالمنا المعاصر كنا من أشد الناس تمسكا بالثبات على بعض العادات الغريبة في عالم الأعمال والمؤسسات سواء الحكومية أو في القطاعين العام والخاص، ومراجعة صغيرة للمخازن المكتظة بالفاقد والمهدر من الأجهزة المهملة والمعطلة أو بيوتنا التي تئن من الفاقد في المال والوقت مثلما تئن من الاحتفاظ بما لا قيمة له من الأدوات والأثاث لتخبرنا بمكان العالم المتقدم منا وبمكاننا منه.

لقد ترهل ـ أكثرنا ـ في قوامه وفي تفكيره الثقيل الثابت الجامد، وفي العواطف القائمة على التطرف في العلاقات التي نبنيها سريعا ونهدمها بأسرع ما أقمناها، وذلك لافتقادنا للرشاقة: لغة، وأسلوبا، وسردا، وحوارا، وعملا.. فهل نسمح ـ ولو على سبيل المحاولة ـ للرشاقة أن تغزو كل حياتنا كل الوقت؟
 

أُضيفت في: 17 يوليو (تموز) 2020 الموافق 26 ذو القعدة 1441
منذ: 4 شهور, 17 أيام, 17 ساعات, 25 دقائق, 16 ثانية
0

التعليقات

153758
أراء وكتاب
هل نحن مسيرون؟هل نحن مسيرون؟الدكتوره ريهام عاطف2020-11-28 21:42:12
السيرة النبوية ورقات معدودةالسيرة النبوية ورقات معدودةرياض عبدالله الزهراني 2020-11-26 15:08:03
لنواب البرلمان  تهنئة ومطلوبلنواب البرلمان تهنئة ومطلوبرفعت يونان عزيز2020-11-26 11:44:03
موجة جديدة من التطبيعموجة جديدة من التطبيعمحمود مآلك الآشهب2020-11-25 07:06:22
أصحاب المعاشات " همسة عتاب للحكومه "أصحاب المعاشات " همسة عتاب للحكومه "رفعت يونان عزيز2020-11-23 14:18:45
قرارات فلسطينية تفاقم الوضع المأزومقرارات فلسطينية تفاقم الوضع المأزومشاكر فريد حسن 2020-11-22 08:28:32
قرارات فلسطينية تفاقم الوضع المأزومقرارات فلسطينية تفاقم الوضع المأزومشاكر فريد حسن 2020-11-22 08:27:14
طرق و كباريطرق و كباريمروة مصطفي حسونة2020-11-20 10:11:33
أقلام وإبداعات
يا وجعهم لعبك وحرفنتكيا وجعهم لعبك وحرفنتكمحمود مآلك الآشهب2020-11-30 06:05:51
صباح النورصباح النورهالة أبو السعود 2020-11-28 12:11:51
وحشة العمر الطويلوحشة العمر الطويلإبراهيم يوسف2020-11-28 09:38:32
ذهبت الي اللهذهبت الي اللهمحمود مآلك الآشهب2020-11-28 07:36:13
احباطاحباطفوزية بن حورية2020-11-28 01:18:40
تعليم ..ولكن !تعليم ..ولكن !مروة مصطفي حسونة2020-11-26 07:33:17
جان دمو ...جان دمو ...ايفان علي عثمان 2020-11-24 06:16:02
ثلجة ونارثلجة وناركرم الشبطي2020-11-22 17:27:11
تجريم الاخوان لا  يكفيتجريم الاخوان لا يكفيرياض عبدالله الزهراني 2020-11-21 18:38:58
مساحة حرة
ماهي الايدلوجية ؟ماهي الايدلوجية ؟مهاب مصطفي فتحي2020-11-30 02:13:32
المغترب والكفيلالمغترب والكفيلابراهيم شرف الدين 2020-11-29 18:30:29
رجل بمعني الكلمة ...رجل بمعني الكلمة ...مروة مصطفي حسونة2020-11-29 02:40:32
كبسولات حمض الهيالورونيككبسولات حمض الهيالورونيكرغداء ابراهيم2020-11-28 23:37:55
في جنة الخُلد يا فاطمةفي جنة الخُلد يا فاطمةآلاء نشأت2020-11-28 09:42:04
ميلاد شذىميلاد شذىكرم الشبطي2020-11-27 15:31:28
حاسبوا على كلامكمحاسبوا على كلامكم ياسمين مجدي عبده2020-11-26 14:43:21
نمبر  تننمبر تنأحمد ثابت محمد2020-11-25 07:17:05
رسالة إلي السيد المسئول ...رسالة إلي السيد المسئول ...مروة مصطفي حسونة2020-11-22 18:28:27
أين المفر ؟أين المفر ؟مهاب مصطفي فتحي2020-11-19 22:26:30
رحلة مفيدةرحلة مفيدة ياسمين مجدي عبده2020-11-19 20:28:51
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر