GO MOBILE version!
يوليو31202012:19:17 صـذو الحجة91441
في ظاهرة الشيخ عبدالله رشدي
في ظاهرة الشيخ عبدالله رشدي
يوليو31202012:19:17 صـذو الحجة91441
منذ: 11 أيام, 8 ساعات, 34 دقائق, 43 ثانية

في الستينات ظهر خطابا دينيا للجماعات الإرهابية يُكفّر كل الدول التي لا تطبق الشريعة، ويفتي بأن العلمانية كفر تبيح الجنس والسُكر والشذوذ، ولفقدان العرب نموذج علماني خاص بهم التصق هذا المفهوم بالعلمانية رغم زيفه الواضح، فالدولة العلمانية (تساوي بين جميع المواطنين وتعطيهم الحق المدني في الرأي والتعبير والتدين) لا علاقة لها بجنس ولا يحزنون..هذه خيارات شعب، يعني جائز أن تحكم بالعلمانية وشعبك يرفض هذه الأشياء..عادي

كما أن الجنس والسكر والشذوذ يحدث في دول تطبق الشريعة مثلما يحدث في دول علمانية، لكن الفارق أنه وفي العلمانية يحدث ذلك ضمن قانون ينظم العلاقة بين العام والخاص فلا يفرض ذوقا وشريعة على من يرفضها، أما في دول الشريعة يحدث في الخفاء بدون تنظيم، والنتيجة أن دول الشريعة بها أكبر نسبة نفاق وعزلة عن العالم، حتى فشلت في تقديم أي نموذج ناجح ، بينما كل الدول الناجحة هي علمانية بالضرورة.

الشيخ عبدالله يستخدم نفس خطاب الجهاديين والإخوان في الستينات في تكفير العلمانية وكل من ينتقد الشيوخ والمطالبة بتحقيق الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية ويطالب بعدم الاختلاط وقهر المرأة في البيوت وتحريم عملها في الشأن العام ناهيك عن دعاوى الحسبة على المخالفين ومن يفطر بالصيام كمثال، ورغم أن هذا الخطاب قديم جدا وأصبح خارج إطار الزمن ،علاوة أن التجربة أثبتت خلافه لكن ما زال مطروحا في أدمغة الإسلاميين..ولو سألتهم عن البديل يقولون "دولة إسلامية"..طب شيعية ولا سنية؟..يقولون: سنية، طب سلفية والا صوفية والا إخوانية؟..يقولون: على منهج السلف الصالح ،ولو سألتهم ما هو منهج السلف الصالح في الحكم سَيلف ويدور ويأتيك بنموذج طبقته داعش بالحرف في سوريا والعراق

قولوا لهذا الشيخ: كن واضحا..ما هو تصورك في الحكم؟..وما دور الشيوخ في الدولة؟..وما حقوق الأقليات والمرأة؟..وهل يجوز حكم المسيحي والشيعي مصر أم لا؟..ازنقوه..فخطاب المتطرفين الذي يؤثروا به على العوام دائما (عام) ولو طُلِب منهم (التخصيص والتفصيل) سينشقوا لمئات الفرق منهم فئة لا تختلف كثيرا عن مرضى العباسية..!

وبرأيي أن هذا المنهج أقرب للمذهب السروري الذي أسسه الشيخ "محمد سرور" الذي كان إخوانيا سوريا ثم انشق ليُنشئ فرقة جديدة تعمل على "تثوير" التراث الديني واستدعائه لإنشاء دولة إسلامية كان مختلفا عليها بين السلفية العلمية والإخوان، أي أن الشيخ سرور حاول التقريب بين سلفية المملكة الأقرب لطاعة الحكام مع التزام حرفي بالعقائد المنصوص عليها في كتب التراث، وبين المنهج الحركي الإخواني الذي أسسه حسن البنا وسيد قطب لتحويل هذا التراث لدولة مقبولة عالميا، والشيخ رشدي واضح من فتاويه ومواقفه أنه يتبنى هذا التيار الفكري الجامع بين حرفية الوهابية النصوصية وبين حركية الإخوان، ولربما قد ورثه عن أبيه السلفي الذي لم أتحقق بشكل مؤكد من مذهبه فلم أٌقرأ له حرفا واحدا لكن علمت لاحقا أن أبيه كان شيخا سلفيا..

ففي السابق وأثناء محاضرتي عن التجديد في دار ابن رشد للصديقة "بيسان عدوان" طرح بعض الحاضرين إشكالا عن هذا الشيخ وكيف أنه يجاهر بقوة وجرأة عن رأيه في استدعاء مضامين التراث الديني وخرافات كعلامات الساعة وآخر الزمان والمهدي المنتظر..إلخ في القرن 21م ، قلت أن الأشعرية التي ينتمي إليها ترفض الاحتكام لخبر الواحد في العقائد بينما هو يثبت "المهدي المنتظر" المذكور في خبر الواحد..وهذا التوجه ليس شافعيا أشعريا بل حنبليا وهابيا أقرب لمنهج ابن تيمية، ولمن لا يعلم منهجية تفكير الشيخ سرور فهو ممن يتبنون منظور الشيخ ابن تيمية ناحية الفرق ويقبلون بمذهبه في قبول الروايات وأشهرها العمل بخبر الواحد في العقائد والقبول بمرسل الصحابي وكلا الأمرين خصيصة حنبلية..

ولقد عاب عليّ صديق عزيز بقوله: لماذا تهتم بالشيخ عبدالله رشدي الشهير "بسرسجي الدعوة" لدرجة أن تفرد صفحات نقدية له وردود فكرية وخلافه، هذا شخص تافه ليس له مصداقية ولا تأثير له..؟

قلت: لا تغطي الشمس بغربال هذا السرسجي له معجبين بالملايين، وبغض النظر عن هويتهم لكنهم بشر من حيث الكم موجودين يعيشون بيننا الآن وربما يشكلون تهديدا لاحقا في إنشاء دولة دينية أو جماعات إرهابية أو مظاهرات إذا لزم الأمر، علما بأن كلمة لفظ "سرسجي" هو تعبير ازدراء مصري يعني (الجهل والبلطجة) والمصريون أطلقوا هذا التعبير على من يمارس الفن والغناء بدون علم أو موهبة وثقافة، كذلك فالعلم الديني أصبح يمارس بنفس الصورة، مجرد حشد لقطيع السرسجية الذي رفع بعض الفنانين والمطربين دون اهتمام لكمّ الأخطاء المنطقية والعلمية المرتكبة بل صارت لرجل الدين صفة جديدة وهو أنه (متحرش) كما ضُبِطَ هذا الشيخ في أكثر من وقعة علنية..

علما بأنني لا أستعمل كلمة "مجانص" رغم شهرتها عليه، وأرى أن هذا اللقب تحقيري بقصد (التنمر ) لا أستخدمه، وأستخدم بدلا منه ‎"سرسجي الدعوة" لكاشف جهل وتعالم وغباء هذا الشخص وتسببه بانحطاط الخطاب الدعوي، ف‏كلمة "مجانص" هي ازدراء للشكل والمادة باحتقار الذات يمكن أن يتصف به أي شخص له عضلات، لكن كلمة "سرسجي الدعوة" هي ازدراء للسلوك والعقل فقط، الأولى ذاتية أما الثانية فموضوعية، والمفكر لا يسخر ذاتيا من أحد ولا يهينه، لكن يستخدم سلاحه وقلمه في احتقار المعاني والأفكار والحط منها وتقريبها شعبيا إذا لزم الأمر وكان الطرف الآخر إقصائيا لا يؤمن بحوار..

واعلم ياأخي أنه لولا جهدنا ونشاطنا جميعا ما حدث الآتي:

1- يضطر كثيرا للدفاع عن نفسه الآن وتوضيح مواقفه..هذا بالأساس ضعف أمام قوة التيار العلماني الذي أجبره على الانزواء في هذا الركن فقط ليدافع..

2- بدأ يسب ويشتم علانية منذ 3 أيام وبألفاظ ومعان جنسية واضحة..هذا أيضا تأثير ضغطنا عليه

3- حشره بصفة مستديمة في ملفيّ (المرأة والأقباط) وهذا ملف خاسر بالنسبة له ويضعه في مواجهة إما مع الشعب ونصف المجتمع أو مع الأمن المكلف بحماية الأقباط..

نعم هو شخص تافه وضعيف علميا وعقليا، وسبق كشفت بلاهته الفكرية بمناظرتين معه على تويتر واحدة عن فرج فودة والثانية عن حُكم عقاب المُفطر، لكن الدولة ساعدته في البداية بتلميع متعمد عن طريق مناظرات مأجورة مع مدعين (للألوهية والنبوة والمهدوية) وهؤلاء شباب صايع مأجور ليس له وظيفة إلا تلميع بعض الشيوخ ممن يختارهم المسئولين، ولمن يتذكر فعلوا نفس الشئ مع يوسف البدري...ولكن أين يوسف البدري الآن؟ ناهيك عن عناوين يوتيوب المثيرة وتآمر القنوات على المستنيرين باتصالات مزيفة وغيرها من الوسائل التي كشفناها سابقا في سياق إعلان رفضي للظهور مع الإبراشي للحديث عن الحجاب لعلمي بوجود مؤامرة واتصالات مزيفة فضلا عن شخصية المذيع غير المتخصصة والمنحازة، مما يعني أن جهدنا جميعا في نقد هذا السرسجي أخرج ما في بطنه ووضعه تحت ضغط نفسي حتى (صدّق) فعلا أنه زعيما دينيا، وبدأ يتعامل مع الفانز لديه على أنه زعيم، ولمن لا يعلم فأولى خطوات نهاية الفرد أن يعتقد في نفسه ما ليس فيه أو ما هو أكبر من قدراته..

الخطورة الأكبر في ظاهرة هذا السرسجي أنها تفتح الباب لتأويلات متشددة تجاه النص القرآني في آيات الحرب خصوصا آية السيف" فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ".[التوبة : 5] وقوله تعالى " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال "[الأنفال : 65] وقوله " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق "[محمد : 4] وغيرها من آيات القتال الواضحة في المرحلة المدنية التي تستدعي الحاجة لتفسيرها إلى روح مستنيرة وعقل متفتح..وشعبية هذا الشيخ بين المراهقين والإسلاميين تجعله خطرا يؤكد صوابية تفسير الجهاديين والسروريين لتلك الآيات نظرا لعقله المنغلق وتكفيره للمخالفين على الرأي والتحقير الدائم من شأن المرأة والأقليات مما يؤثر على رؤيته لتلك الآيات بالسلب.

ولمزيد من حل هذا الإشكال وطرح رؤية واقعية حولها كتبت دراسة "الدين بين الطبيعة والتحدي" في شهر يناير 2019 تلقي الضوء على ظرفها التاريخي ورؤيتها ضمن سياق وفلسفة المجتمع حينها، مع التنبيه على مركزيتها في المشروع الإسلامي للجماعات، فهم بقواعد الناسخ والمنسوخ والعام والخاص يقررون أن الدين قوامه الحرب والمعارك، دون النظر لمحورية الأخلاق والسلوك، لا يولون بالا أو يتركوا مساحة لتقييد تلك الحروب فقط لزمن الرسول، والتراث الديني يشهد بأن الصحابة نفسهم اختلفوا في الحروب بعد موت النبي مما يؤكد غياب مركزية الحرب وهوية العدو الأصلي في العقل الإسلامي ، وعجز العرب وأسلاف المسلمين عن تحرير تلك الهوية بشكل علمي بعيدا عن الصراعات الشخصية التي ميزت أول 200 عام من عمر الإسلام..

أخيرا: لو لم نكسب من تلك المعركة غير سحب ثقة النخبة من هذا السرسجي وحصرها بنسبة 100% للإسلاميين والمراهقين لكفى به مكسب، فكل كلمة وأي جهد يوجه لظاهرة السرسجة الدينية التي يقودها هذا الشخص هي عمل تنويري عظيم ونتائجه إيجابية على المدى القصير، وفي السابق قلت أن المشهور يغتر أحيانا بجمهوره فيضطر لنفاقهم ومجاراتهم وهذا يفسر كيف أن فتاوى وأقوال هذا السرسجي لا تُعجِب سوى الجماعات ولا يدافع عنه غيرهم..بينما إذا خاف مرة واحدة أو وضع في خيار بين أمنه الشخصي وقناعاته سيفقد جمهوره في ساعة ويلعنوه مثلما رفعوه لمصاف الزعماء..

إن هذا السرسجي ظاهرة ستمر مثلما مرّت عشرات الظواهر قبله، وجُهدنا الآن في سبيل أن تمر ظاهرته بسلام ، فالدولة لا تتحمل مزيد من الخسائر في تلك الظروف..فأمثاله ينشرون صورة للإله أقرب للمحارب الداعي إلى العنف والقتل والسلب والنهب بقياسات عقلية فاسدة وأدلة شرعية مهترئة مصدرها الحقد الدفين تجاه أي رأي مخالف، مما يعني أن الحاجة أصبحت ملحة لتعزيز ثقافة قبول الآخر والكف عن شيطنة أهل الرأي، فالدولة التي تشيطن لمجرد الرأي تزرع في مؤسساتها كل وسائل وأعراف المتشددين في تناول العقائد، ولا تترك ثغرة للتنفيس عن ما يكنه المخالفون من قناعات مما يساعد على نشر العنف أكثر وتوجيهه ضد الآخر باطمئنان ودون أي تأنيب ضمير.
بقلم / سامح عسكر
كاتب وباحث مصري

أُضيفت في: 31 يوليو (تموز) 2020 الموافق 9 ذو الحجة 1441
منذ: 11 أيام, 8 ساعات, 34 دقائق, 43 ثانية
0

التعليقات

153875
أراء وكتاب
ومضى قطار العمر .ومضى قطار العمر .ا.د/إبراهيم محمد مرجونة2020-08-05 21:12:58
سلم لي علي الديمقراطية خليها مصلحجيةسلم لي علي الديمقراطية خليها مصلحجية حماد حلمي مسلم2020-08-04 18:24:07
بعد الصدوربعد الصدورعباس طمبل عبدالله الملك2020-08-04 16:11:55
إنتخابات جديدة وتحديات قديمةإنتخابات جديدة وتحديات قديمةثامر الحجامي2020-08-01 14:18:01
زمن الخندقةزمن الخندقةعبد الرازق أحمد الشاعر2020-07-29 00:35:20
التعددية الزوجيةالتعددية الزوجيةالدكتوره ريهام عاطف2020-07-28 03:28:05
"عقولنا.. وحروبنا النفسية !!!""عقولنا.. وحروبنا النفسية !!!"الدكتور ميثاق بيات الضيفي2020-07-23 16:59:12
الغذاء وحموضة الدم الخطرةالغذاء وحموضة الدم الخطرةد مازن سلمان حمود2020-07-23 00:40:37
أقلام وإبداعات
ميرزا ... نصوص فكريةميرزا ... نصوص فكريةايفان علي عثمان 2020-08-06 20:28:43
إلى حبيبتي...إلى حبيبتي...الدكتوره ريهام عاطف2020-08-05 01:06:14
لبنان والانفجارلبنان والانفجاركرم الشبطي2020-08-04 18:44:02
والشاعر بالشاعر...يذكر؟والشاعر بالشاعر...يذكر؟إبراهيم يوسف2020-08-03 21:29:08
في ظاهرة الشيخ عبدالله رشديفي ظاهرة الشيخ عبدالله رشديسامح عسكر2020-07-31 00:19:17
عيدنا أضحىعيدنا أضحىشفيق السعيد2020-07-29 07:31:28
كي لا تظلم أناكي لا تظلم أناكرم الشبطي2020-07-27 18:33:59
القائد الضرورة .. وحتمية وجود الصورة !القائد الضرورة .. وحتمية وجود الصورة !الحسين عبدالرازق2020-07-27 16:34:38
تغريد الطبيعةتغريد الطبيعةإيناس ثابت2020-07-26 18:05:22
" لية لأ " دراما ناضجة" لية لأ " دراما ناضجةهالة أبو السعود 2020-07-26 17:45:57
أقصانا بات في مرحلة الخطرأقصانا بات في مرحلة الخطرد. وسيم وني2020-07-23 15:08:41
مساحة حرة
حق المرأة في الانتخاب .حق المرأة في الانتخاب .مروة مصطفي حسونة2020-08-06 10:33:47
رأيتها بعد عامرأيتها بعد عامكرم الشبطي2020-08-02 17:09:15
صدر حديثاصدر حديثاسهيل عيساوي 2020-08-01 11:27:21
المعلم المصري وواقعه المؤلمالمعلم المصري وواقعه المؤلممروة مصطفي حسونة2020-08-01 09:42:32
التكافل الاجتماعى جوهر الاسلامالتكافل الاجتماعى جوهر الاسلامجمال المتولى جمعة 2020-07-29 17:02:22
عيون حبيبتيعيون حبيبتيكرم الشبطي2020-07-25 18:31:26
مارلين يونس صوت ساحر و أصيل في زمننا البارد ...مارلين يونس صوت ساحر و أصيل في زمننا البارد ...نهلة حامد ـ القاهرة 2020-07-25 13:46:59
النساء اكثر قوة من جائحة كوروناالنساء اكثر قوة من جائحة كوروناهاجرمحمدموسى2020-07-24 21:05:57
لا مستحيل في هذا الزمنلا مستحيل في هذا الزمن ياسمين مجدي عبده2020-07-21 14:55:13
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر