GO MOBILE version!
يوليو31202012:19:17 صـذو الحجة91441
في ظاهرة الشيخ عبدالله رشدي
في ظاهرة الشيخ عبدالله رشدي
يوليو31202012:19:17 صـذو الحجة91441
منذ: 1 سنة, 5 شهور, 26 أيام, 12 ساعات, 54 دقائق, 59 ثانية

في الستينات ظهر خطابا دينيا للجماعات الإرهابية يُكفّر كل الدول التي لا تطبق الشريعة، ويفتي بأن العلمانية كفر تبيح الجنس والسُكر والشذوذ، ولفقدان العرب نموذج علماني خاص بهم التصق هذا المفهوم بالعلمانية رغم زيفه الواضح، فالدولة العلمانية (تساوي بين جميع المواطنين وتعطيهم الحق المدني في الرأي والتعبير والتدين) لا علاقة لها بجنس ولا يحزنون..هذه خيارات شعب، يعني جائز أن تحكم بالعلمانية وشعبك يرفض هذه الأشياء..عادي

كما أن الجنس والسكر والشذوذ يحدث في دول تطبق الشريعة مثلما يحدث في دول علمانية، لكن الفارق أنه وفي العلمانية يحدث ذلك ضمن قانون ينظم العلاقة بين العام والخاص فلا يفرض ذوقا وشريعة على من يرفضها، أما في دول الشريعة يحدث في الخفاء بدون تنظيم، والنتيجة أن دول الشريعة بها أكبر نسبة نفاق وعزلة عن العالم، حتى فشلت في تقديم أي نموذج ناجح ، بينما كل الدول الناجحة هي علمانية بالضرورة.

الشيخ عبدالله يستخدم نفس خطاب الجهاديين والإخوان في الستينات في تكفير العلمانية وكل من ينتقد الشيوخ والمطالبة بتحقيق الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية ويطالب بعدم الاختلاط وقهر المرأة في البيوت وتحريم عملها في الشأن العام ناهيك عن دعاوى الحسبة على المخالفين ومن يفطر بالصيام كمثال، ورغم أن هذا الخطاب قديم جدا وأصبح خارج إطار الزمن ،علاوة أن التجربة أثبتت خلافه لكن ما زال مطروحا في أدمغة الإسلاميين..ولو سألتهم عن البديل يقولون "دولة إسلامية"..طب شيعية ولا سنية؟..يقولون: سنية، طب سلفية والا صوفية والا إخوانية؟..يقولون: على منهج السلف الصالح ،ولو سألتهم ما هو منهج السلف الصالح في الحكم سَيلف ويدور ويأتيك بنموذج طبقته داعش بالحرف في سوريا والعراق

قولوا لهذا الشيخ: كن واضحا..ما هو تصورك في الحكم؟..وما دور الشيوخ في الدولة؟..وما حقوق الأقليات والمرأة؟..وهل يجوز حكم المسيحي والشيعي مصر أم لا؟..ازنقوه..فخطاب المتطرفين الذي يؤثروا به على العوام دائما (عام) ولو طُلِب منهم (التخصيص والتفصيل) سينشقوا لمئات الفرق منهم فئة لا تختلف كثيرا عن مرضى العباسية..!

وبرأيي أن هذا المنهج أقرب للمذهب السروري الذي أسسه الشيخ "محمد سرور" الذي كان إخوانيا سوريا ثم انشق ليُنشئ فرقة جديدة تعمل على "تثوير" التراث الديني واستدعائه لإنشاء دولة إسلامية كان مختلفا عليها بين السلفية العلمية والإخوان، أي أن الشيخ سرور حاول التقريب بين سلفية المملكة الأقرب لطاعة الحكام مع التزام حرفي بالعقائد المنصوص عليها في كتب التراث، وبين المنهج الحركي الإخواني الذي أسسه حسن البنا وسيد قطب لتحويل هذا التراث لدولة مقبولة عالميا، والشيخ رشدي واضح من فتاويه ومواقفه أنه يتبنى هذا التيار الفكري الجامع بين حرفية الوهابية النصوصية وبين حركية الإخوان، ولربما قد ورثه عن أبيه السلفي الذي لم أتحقق بشكل مؤكد من مذهبه فلم أٌقرأ له حرفا واحدا لكن علمت لاحقا أن أبيه كان شيخا سلفيا..

ففي السابق وأثناء محاضرتي عن التجديد في دار ابن رشد للصديقة "بيسان عدوان" طرح بعض الحاضرين إشكالا عن هذا الشيخ وكيف أنه يجاهر بقوة وجرأة عن رأيه في استدعاء مضامين التراث الديني وخرافات كعلامات الساعة وآخر الزمان والمهدي المنتظر..إلخ في القرن 21م ، قلت أن الأشعرية التي ينتمي إليها ترفض الاحتكام لخبر الواحد في العقائد بينما هو يثبت "المهدي المنتظر" المذكور في خبر الواحد..وهذا التوجه ليس شافعيا أشعريا بل حنبليا وهابيا أقرب لمنهج ابن تيمية، ولمن لا يعلم منهجية تفكير الشيخ سرور فهو ممن يتبنون منظور الشيخ ابن تيمية ناحية الفرق ويقبلون بمذهبه في قبول الروايات وأشهرها العمل بخبر الواحد في العقائد والقبول بمرسل الصحابي وكلا الأمرين خصيصة حنبلية..

ولقد عاب عليّ صديق عزيز بقوله: لماذا تهتم بالشيخ عبدالله رشدي الشهير "بسرسجي الدعوة" لدرجة أن تفرد صفحات نقدية له وردود فكرية وخلافه، هذا شخص تافه ليس له مصداقية ولا تأثير له..؟

قلت: لا تغطي الشمس بغربال هذا السرسجي له معجبين بالملايين، وبغض النظر عن هويتهم لكنهم بشر من حيث الكم موجودين يعيشون بيننا الآن وربما يشكلون تهديدا لاحقا في إنشاء دولة دينية أو جماعات إرهابية أو مظاهرات إذا لزم الأمر، علما بأن كلمة لفظ "سرسجي" هو تعبير ازدراء مصري يعني (الجهل والبلطجة) والمصريون أطلقوا هذا التعبير على من يمارس الفن والغناء بدون علم أو موهبة وثقافة، كذلك فالعلم الديني أصبح يمارس بنفس الصورة، مجرد حشد لقطيع السرسجية الذي رفع بعض الفنانين والمطربين دون اهتمام لكمّ الأخطاء المنطقية والعلمية المرتكبة بل صارت لرجل الدين صفة جديدة وهو أنه (متحرش) كما ضُبِطَ هذا الشيخ في أكثر من وقعة علنية..

علما بأنني لا أستعمل كلمة "مجانص" رغم شهرتها عليه، وأرى أن هذا اللقب تحقيري بقصد (التنمر ) لا أستخدمه، وأستخدم بدلا منه ‎"سرسجي الدعوة" لكاشف جهل وتعالم وغباء هذا الشخص وتسببه بانحطاط الخطاب الدعوي، ف‏كلمة "مجانص" هي ازدراء للشكل والمادة باحتقار الذات يمكن أن يتصف به أي شخص له عضلات، لكن كلمة "سرسجي الدعوة" هي ازدراء للسلوك والعقل فقط، الأولى ذاتية أما الثانية فموضوعية، والمفكر لا يسخر ذاتيا من أحد ولا يهينه، لكن يستخدم سلاحه وقلمه في احتقار المعاني والأفكار والحط منها وتقريبها شعبيا إذا لزم الأمر وكان الطرف الآخر إقصائيا لا يؤمن بحوار..

واعلم ياأخي أنه لولا جهدنا ونشاطنا جميعا ما حدث الآتي:

1- يضطر كثيرا للدفاع عن نفسه الآن وتوضيح مواقفه..هذا بالأساس ضعف أمام قوة التيار العلماني الذي أجبره على الانزواء في هذا الركن فقط ليدافع..

2- بدأ يسب ويشتم علانية منذ 3 أيام وبألفاظ ومعان جنسية واضحة..هذا أيضا تأثير ضغطنا عليه

3- حشره بصفة مستديمة في ملفيّ (المرأة والأقباط) وهذا ملف خاسر بالنسبة له ويضعه في مواجهة إما مع الشعب ونصف المجتمع أو مع الأمن المكلف بحماية الأقباط..

نعم هو شخص تافه وضعيف علميا وعقليا، وسبق كشفت بلاهته الفكرية بمناظرتين معه على تويتر واحدة عن فرج فودة والثانية عن حُكم عقاب المُفطر، لكن الدولة ساعدته في البداية بتلميع متعمد عن طريق مناظرات مأجورة مع مدعين (للألوهية والنبوة والمهدوية) وهؤلاء شباب صايع مأجور ليس له وظيفة إلا تلميع بعض الشيوخ ممن يختارهم المسئولين، ولمن يتذكر فعلوا نفس الشئ مع يوسف البدري...ولكن أين يوسف البدري الآن؟ ناهيك عن عناوين يوتيوب المثيرة وتآمر القنوات على المستنيرين باتصالات مزيفة وغيرها من الوسائل التي كشفناها سابقا في سياق إعلان رفضي للظهور مع الإبراشي للحديث عن الحجاب لعلمي بوجود مؤامرة واتصالات مزيفة فضلا عن شخصية المذيع غير المتخصصة والمنحازة، مما يعني أن جهدنا جميعا في نقد هذا السرسجي أخرج ما في بطنه ووضعه تحت ضغط نفسي حتى (صدّق) فعلا أنه زعيما دينيا، وبدأ يتعامل مع الفانز لديه على أنه زعيم، ولمن لا يعلم فأولى خطوات نهاية الفرد أن يعتقد في نفسه ما ليس فيه أو ما هو أكبر من قدراته..

الخطورة الأكبر في ظاهرة هذا السرسجي أنها تفتح الباب لتأويلات متشددة تجاه النص القرآني في آيات الحرب خصوصا آية السيف" فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ".[التوبة : 5] وقوله تعالى " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال "[الأنفال : 65] وقوله " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق "[محمد : 4] وغيرها من آيات القتال الواضحة في المرحلة المدنية التي تستدعي الحاجة لتفسيرها إلى روح مستنيرة وعقل متفتح..وشعبية هذا الشيخ بين المراهقين والإسلاميين تجعله خطرا يؤكد صوابية تفسير الجهاديين والسروريين لتلك الآيات نظرا لعقله المنغلق وتكفيره للمخالفين على الرأي والتحقير الدائم من شأن المرأة والأقليات مما يؤثر على رؤيته لتلك الآيات بالسلب.

ولمزيد من حل هذا الإشكال وطرح رؤية واقعية حولها كتبت دراسة "الدين بين الطبيعة والتحدي" في شهر يناير 2019 تلقي الضوء على ظرفها التاريخي ورؤيتها ضمن سياق وفلسفة المجتمع حينها، مع التنبيه على مركزيتها في المشروع الإسلامي للجماعات، فهم بقواعد الناسخ والمنسوخ والعام والخاص يقررون أن الدين قوامه الحرب والمعارك، دون النظر لمحورية الأخلاق والسلوك، لا يولون بالا أو يتركوا مساحة لتقييد تلك الحروب فقط لزمن الرسول، والتراث الديني يشهد بأن الصحابة نفسهم اختلفوا في الحروب بعد موت النبي مما يؤكد غياب مركزية الحرب وهوية العدو الأصلي في العقل الإسلامي ، وعجز العرب وأسلاف المسلمين عن تحرير تلك الهوية بشكل علمي بعيدا عن الصراعات الشخصية التي ميزت أول 200 عام من عمر الإسلام..

أخيرا: لو لم نكسب من تلك المعركة غير سحب ثقة النخبة من هذا السرسجي وحصرها بنسبة 100% للإسلاميين والمراهقين لكفى به مكسب، فكل كلمة وأي جهد يوجه لظاهرة السرسجة الدينية التي يقودها هذا الشخص هي عمل تنويري عظيم ونتائجه إيجابية على المدى القصير، وفي السابق قلت أن المشهور يغتر أحيانا بجمهوره فيضطر لنفاقهم ومجاراتهم وهذا يفسر كيف أن فتاوى وأقوال هذا السرسجي لا تُعجِب سوى الجماعات ولا يدافع عنه غيرهم..بينما إذا خاف مرة واحدة أو وضع في خيار بين أمنه الشخصي وقناعاته سيفقد جمهوره في ساعة ويلعنوه مثلما رفعوه لمصاف الزعماء..

إن هذا السرسجي ظاهرة ستمر مثلما مرّت عشرات الظواهر قبله، وجُهدنا الآن في سبيل أن تمر ظاهرته بسلام ، فالدولة لا تتحمل مزيد من الخسائر في تلك الظروف..فأمثاله ينشرون صورة للإله أقرب للمحارب الداعي إلى العنف والقتل والسلب والنهب بقياسات عقلية فاسدة وأدلة شرعية مهترئة مصدرها الحقد الدفين تجاه أي رأي مخالف، مما يعني أن الحاجة أصبحت ملحة لتعزيز ثقافة قبول الآخر والكف عن شيطنة أهل الرأي، فالدولة التي تشيطن لمجرد الرأي تزرع في مؤسساتها كل وسائل وأعراف المتشددين في تناول العقائد، ولا تترك ثغرة للتنفيس عن ما يكنه المخالفون من قناعات مما يساعد على نشر العنف أكثر وتوجيهه ضد الآخر باطمئنان ودون أي تأنيب ضمير.
بقلم / سامح عسكر
كاتب وباحث مصري

أُضيفت في: 31 يوليو (تموز) 2020 الموافق 9 ذو الحجة 1441
منذ: 1 سنة, 5 شهور, 26 أيام, 12 ساعات, 54 دقائق, 59 ثانية
0

التعليقات

153875
أراء وكتاب
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-25 13:23:03
وجد عندها رزقاوجد عندها رزقامحمد محمد علي جنيدي2021-04-24 14:20:24
في القدس ثورةفي القدس ثورةكرم الشبطي2021-04-23 18:36:12
الثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرالثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرحاتم عبد الحكيم عبد الحميد 2021-04-23 16:07:27
السيدة خديجة والحصارالسيدة خديجة والحصارحيدر محمد الوائلي2021-04-22 17:21:52
لماذا تشوهون صورة مصر؟لماذا تشوهون صورة مصر؟ ياسمين مجدي عبده2021-04-21 16:16:46
** موكب الملوك **** موكب الملوك **عصام صادق حسانين2021-04-21 14:43:18
الطاعات الواجبة في أصول الفقهالطاعات الواجبة في أصول الفقهسامح عسكر2021-03-10 23:30:23
كن مسلما متوازناكن مسلما متوازنامستشار / أحمد عبده ماهر2021-03-10 23:26:01
أبو لهب المعاصرأبو لهب المعاصرحيدر حسين سويري2021-03-10 20:10:27
التحرش وطفلة المعاديالتحرش وطفلة المعاديرفعت يونان عزيز2021-03-10 16:10:44
أقلام وإبداعات
لابصم بالدم فتحاويلابصم بالدم فتحاويسامي إبراهيم فودة2021-04-23 16:47:46
عدوان واحد يستهدف هوية المكانعدوان واحد يستهدف هوية المكانشاكر فريد حسن 2021-04-21 10:19:16
جذور الفتوة في الإعلام المصريجذور الفتوة في الإعلام المصريهاجرمحمدموسى2021-04-20 15:30:00
النت المنزلى .. وخداع الشبكاتالنت المنزلى .. وخداع الشبكاتفوزى يوسف إسماعيل2021-04-20 12:53:08
يا حبيبتي اكذبييا حبيبتي اكذبيكرم الشبطي2021-04-19 18:58:27
العقرب الطائرالعقرب الطائرابراهيم امين مؤمن2021-03-08 05:40:45
لقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدلقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدحسن محمد قره محمد2021-03-07 13:17:20
جمال ثورة المرأةجمال ثورة المرأةكرم الشبطي2021-03-07 11:19:28
مساحة حرة
حواري مع مرشح الواحاتحواري مع مرشح الواحاتحماده خيري2021-04-20 14:04:52
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-18 12:12:29
يا أمة القشوريا أمة القشوركرم الشبطي2021-03-02 22:33:06
وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!د / رأفت حجازي 2021-03-02 14:26:57
لادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلاملادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلامايفان علي عثمان 2021-03-02 05:05:18
قبل الختام يجب الكلامقبل الختام يجب الكلامهاجرمحمدموسى2021-03-02 02:13:28
المطلقة في مجتمعناالمطلقة في مجتمعناالدكتوره ريهام عاطف2021-03-01 16:23:30
من أحسن إلي..كيف أجازيه؟من أحسن إلي..كيف أجازيه؟إيناس ثابت2021-02-28 17:39:16
** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **عصام صادق حسانين2021-02-27 23:54:38
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر