GO MOBILE version!
نوفمبر12202012:49:22 مـربيع أول261442
ماذا سيخسر العالم بموتك؟
ماذا سيخسر العالم بموتك؟
نوفمبر12202012:49:22 مـربيع أول261442
منذ: 12 أيام, 14 ساعات, 22 دقائق, 28 ثانية

سؤال ينبغي أن يوجه لكل واحدً منا، سؤال مهم نحتاج إلى مصارحة أنفسنا به وعرض أحوالنا عليه، فهل وقف أحدنا وسأل نفسه؟ هل سيخسر العالم شيئاً؟ أم أنه سيرتاح لأنك كنت عبئاً عليه؟.. هل سيخسر أهلك وجيرانك ومجتمعك بموتك شيئاً؟ هل لك قيمة في الحياة حتى يحزن الناس لرحيلك؟ هل قدمت شيئاً مميزاً تذكر فيه؟ هل لك بصمات خير تدعوا لك أصحابها بعد رحيلك؟

لقد اقتضت حكمة الله في هذه الحياة الدنيا وفي خلقه أن قيمة المرء عند الله وعند الناس لا تقاس بطول الأعمار ولا بكثرة الأموال والأولاد والأتباع ولا تقاس قيمة المرء بما يأكل أو يلبس أو يركب أو بما يمتلك من دور وقصور وحدائق وأنهار.. إنما تقاس بما يقدم من إنجازات ومنافع وعطاءات تعود على مجتمعه وأمته بالخير والصلاح، وقد قال الإمام علي رضي الله عنه "وقيمة كل امرئ ما يحسنه" لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أوتقضي عنه ديناً، أوتطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً"، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأشكالكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم".

فقيمة المرء أن لا يعيش لنفسه وحسب بل يعيش من أجل الآخرين أيضاً فيساعد ويبذل ويضحي وينصح ويشارك في حمل الهموم وتفريج الكروب عن الآخرين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، قال تعالى وهو يصف هؤلاء الناس: "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ"، وفي الحديث: "المؤمن كل الغيث أينما وقع نفع". هناك من تتألم الأرض عند فقدهم وتبكي عليهم بندم المشتاق، وتهتز السماء حزناً على فراقهم وانتهاء حياتهم لأنهم أدركوا حقيقة الحياة والاستخلاف في الأرض وقاموا بواجباتهم بل تنازلوا عن الكثير من حقوقهم وحظوظهم وقدموا منافع ومصالح مجتمعاتهم وأوطانهم فعاشوا عظماء من علماء ومصلحون وملوك ورؤساء وتجار وأصحاب وجاهات وهناك أساتذة جامعات وأطباء ومعلمون ومهندسون وناس بسطاء كانت تسعدنا ضحكتهم وكانت كلماتهم اللطيفة تدخل قلوبنا مباشرةً، ذلك لانهم كانوا صادقين في ذلك.. وبعد مماتهم لم تنتهي حياتهم بل ما زالت مآثرهم وأعمالهم تتحدث عنهم وما زالت الألسن تلهج بذكرهم والثناء عليهم، فكم من أنُاس ليس لهم كثير عمل ولكن تركوا بصمات في أمور صغيرة لا تنتسى من حياتنا.

جال بذهني هذا السؤال، ماذا لو علمت أني سأموت غداً، أنني سأرحل وينتهي وجودي في هذه الدنيا، ما الذي سأود قوله لمن حولي؟ بماذا سأخبرهم في تلك اللحظات الأخيرة التي ستجمعنا؟ كيف سيكون وقع كلماتهم علي ذلك اليوم؟ كيف سأعاملهم وأنا على شفير مغادرتهم؟ كيف سأرى العالم وأنا على بُعد لحظات من وداعه؟ هل سأخبرهم أن الحياة الدنيا لا تستحق من أجلها كل هذا العناء؟ كان تخيل الأمر مرعبا ولا أخفيكم أن العَبْرَة خنقتني تارة وغلبتني أخرى وأنا أكتب هذه الكلمات.. فكرة مخيفة جدا، نعم هي كابوس مرعب، لكن يؤسفني أن أخبركم كطبيبة أنها واقعية جدا بل واقعية أكثر مما قد تتخيلون، أضحى موت الفجأة جزءا من حياتنا اليومية لكن يا حسرة على الإنسان فهو عظيم النسيان.

وأنت جالس تلك الجلسة المريحة بين أهلك، أصدقائك أو زملائك، تخيل أنهم جميعا يحملون تأشيرة رحلة في الغد إلى العالم الآخر، وأن هذا لقاؤكم الأخير، ما الذي تحب أن يعرفوه قبل أن تفقدهم؟ ما الذي تحب أن تفعلوه سوية قبل أن يغادروا؟ أو دعنا من هذا المشهد الصعب المتعدد الخيارات، ما رأيك أن تكون المفقود بدل الفاقد؟ لا أدري أيهما أهون لكن لتكن أنت بطل فيلم الرعب هذا، عزيزي أنت من سيغادر يؤسفني أن أخبرك أنك فعلا ستموت غدا، ما الذي تحب قوله لوالديك؟ ولإخوتك؟ ولزوجك؟ ولأبنائك؟ ولا ننسى عائلتك؟ ما الذي ستهمس به لأصدقائك وما الذي ستعترف به لزملائك؟

كيف ستنظر لذلك الماضي الذي يجمعكم، هل كان يستحق كل ذلك الحقد أو كل ذلك الكره أو تلك القطيعة؟ في اللحظات الأخيرة كم هو مؤلم مرور الثانية والدقيقة؟ كم هي قيمة ساعة من العمر وكيف هي حسرة مُضِيِّها؟ كم فضلا نسيته وتريد تسديد دينه ولو بكلمة: "شكرا"؟ كم حُبا كتمته وستصرح به؟ كم ندما سيَعْتَرِيك وتُفْصِح عنه؟ كم اعتذار ستبوح به؟ كم جرحا ستود لو أنك لم تُسَببه؟ في هذه اللحظات ستنسى حقوقك جميعها، لن تفكر في العتاب ولا الانتقام سيكون شغلك الوحيد أن تغادر وليس في قلب ولا نفس أحدهم عليك شيء!

فلقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ رضي الله عنه ولم يكن بين إسلامه وبين موته إلا سنوات قليله ست سنوات فقط جعلت منه صاحب مقام عظيم عند الله عز وجل، فماذا فعل حتى نال ذلك الحب؟.. فكان نعم الرجل الرشيد في قومه الحريص على دينه المجاهد في سبيل ربه، قائم الليل وقارئ القرآن والمنفق في سبيل الله، جرح في عزوة بني قريظة وانفجر جرحه ومات فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أن عرش الرحمن اهتز لموته فقد قال أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وجنازةُ سعدٍ موضوعةٌ اهتزَّ لها عرشُ الرحمنِ فطفِقَ المنافقونَ في جنازتِهِ وقالوا ما أخَفَّها فبلغَ ذلكَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال إنَّما كانت تحملُهُ الملائكةُ معهم".

وهذا نموذج آخر طيب من تلك النماذج الطيبة: أنه الأستاذ والدكتور الذي أفنى حياته في حب الله والدعوة إلى الله وجعل عمله كله لله ضمن مجاله أنه الدكتور (عبد الله السميط) الذي فتح قلوب ملايين البشر في أفريقيا من خلال عمله وفتح المدارس والمشاريع والمشافي بالالاف، ومازال الناس يدعون له ويترحمون عليه لماذا؟ لأنه عمل صالحا ومات صالحا فسوف يبقى ذكره كذكر الصالحين إن شاء الله.

وأنت أخي وأختي في الله، فماذا سيخسر العالم بموتكم؟ ماذا قدمتم لدينكم وأمتكم ومجتمعكم؟ وإن لم تقدموا شيئاً فهل سلم الناس من لسانكم ويدكم؟ هل كنتم سبباً في أذى أحد من الناس.. هل كنت سبباً في ظلمهم وسفك دمهم ولو بكلمة؟ هل وقفتم مع الحق ولو كان مراً؟ إن علينا أن نستغل أعمارنا.. أو تكون الحسرة والندامة قال تعالى: "أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ". لو نظرنا حولنا لوجدنا أن الدنيا من حولنا بجميع مخلوقاتها لتدرك أهمية ما يقدمه الإنسان ويقترفه من خير أو شر وتتأثر وتحزن وتتألم حتى الدواب ترتاح من موت الفاجر، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فقال: "مستريح ومستراح منه". فقالوا: يا رسول الله ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: "إن العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب" إذا مات المؤمن بكى عليه موضع سجوده، وبكى عليه موضع ممشاه إلى الصلاة، وبكى عليه موضع مصعد عمله إلى السماء، وأما الذين أجرموا وكفروا ونافقوا: "فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين". إن الفاجر يلعنه كل شيء حتى اللقمة التي يرفعها الى فمه وتلعنه الدواب ، فالفجور نقمة على العباد والبلاد والدواب والعياذ بالله.

معشر الشباب المسلم أنصحكم نصيحة محب انظروا حولكم واستفيدوا من واقعكم وقدموا لهذه الإنسانية شيئاً مفيداً تلقون به وجه الله بكل فخر، اجعلوا لكم بصمةً في هذه الحياة، يخلد فيها ذكركم وذكر آباىكم معكم ليوم القيامة، لا تقل عن نفسك أنك فاشل ولا تصلح لشيء كما يفعل بعض الشباب، فهذا كلام الشيطان، كل الشباب مغرر به، إما من صديق سوء يرشده للهاوية، وأما من الشيطان بالغواية من سهرٍ ولعبٍ وفحشٍ ولكن لا تقنط فباب التوبة كبير لمن اقبل وربك غفور رحيم ، فتعال وعد إلى الله وفكر وتدبر في هذه الحياة، واصنع لك عملاً تلقى به وجه الله، فهذه الحياة لن يملكها إلا العظماء. اللهم هيأ لنا من أمرنا رشدا واجعل خير أعمالنا خواتمها يا أرحم الراحمين، قال تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".

والسؤال الأكثر رعبا واعذرني على وقاحتي: هل أنت مستعد للمغادرة؟ هل لديك كلمات لرفيقيك اللذين لم يَبْرحا يمينك ولا شِمالك؟ هل ستسألهما بخوف: أي الدواوين أثقل؟ هل تملك أدنى فكرة أين ستحط رحالك بعد أن تغادر من أحببت؟ الأمر مرعب، لكن سأقولها مجددا: الموت قريب جدا أكثر مما قد تستطيع أن تتخيل، أتفه الأسباب يا عزيزي قادرة على جلب الآجال ما دام سبق وأن كُتِبَت في الأقدار؛ لذا لا تعجب ولا تمني نفسك فملك الموت ليس في قاموسه كلمة الاستئذان.

ما رأيك يا عزيزي أن تموت وتحيا من جديد، تخيل أن اليوم هو فعلا اليوم الأخير، يومٌ ستقول فيه وداعاً للمرة الأخيرة، واسأل نفسك ما الذي يجب فعله في يوم مرعب كهذا؟ كيف سترى الدنيا من حولك؟ كيف ستعامل الناس وما الذي ستنتظره منهم في المقابل؟ بعد هذا اليوم الشاق، وأسألُ اللهَ لك وللجميع - أيها القارئ الطيب - طول العمرمع صلاح العمل ودوام الصحة، ستستيقظ في الغد، نعم لقد مُنِحت يوما آخر، الأمس لم يعد آخر أيامك، لازلت تتنفس ولازال قلبك ينبض، لم تغادرنا بل لا زلت تنتمي لهذا العالم، اعذرني على فظاظتي لكن ما الذي تُحب أن تستدركه مما فاتك انجازه من يوم أمس؟

كل يوم ربما يكون فعلا الفصل الأخير ونحن لا ندري، كل يوم هو منحة عظيمة جدا لا يستشعرها كثير من البشر، بل قَلّ من يُقدرها، كل يوم هو عمر يستخلفنا الله فيه لينظر ماذا نفعل: أَنُحْسِن أم نُسِيء، وبيدنا أن نجعله يوما ثقيلا بالانجازات وسنفخر به يوم تنشر الكتب، وبيدنا أن نجعله خفيفا خليا من كل أثر وسنتحسر عليه، والمحظوظ في هذه الدنيا من علم يقينا أنه مرتحل لا محالة فاجتهد ليجمع الزاد فيكون مستعدا للمغادرة متى حانت ساعته، وكذلك أحسن العبور من جسر الحياة فترك طيب الأثر وما تُسْتَمْطَر به الرحمات بعد الممات.


الدكتور / رمضان حسين الشيخ
باحث وكاتب في العلوم الإنسانية وفلسفة الإدارة
الخبير الدولي في التطوير المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي
مصمم منهج فرسان التميز لتغيير فكر قادة المؤسسات

أُضيفت في: 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 الموافق 26 ربيع أول 1442
منذ: 12 أيام, 14 ساعات, 22 دقائق, 28 ثانية
0

التعليقات

155540
أراء وكتاب
أصحاب المعاشات " همسة عتاب للحكومه "أصحاب المعاشات " همسة عتاب للحكومه "رفعت يونان عزيز2020-11-23 14:18:45
قرارات فلسطينية تفاقم الوضع المأزومقرارات فلسطينية تفاقم الوضع المأزومشاكر فريد حسن 2020-11-22 08:28:32
قرارات فلسطينية تفاقم الوضع المأزومقرارات فلسطينية تفاقم الوضع المأزومشاكر فريد حسن 2020-11-22 08:27:14
طرق و كباريطرق و كباريمروة مصطفي حسونة2020-11-20 10:11:33
الغذاء سر الحياة اللحوم والبيض والسمكالغذاء سر الحياة اللحوم والبيض والسمكد مازن سلمان حمود2020-11-19 05:59:23
سياسات عقيمة ورسومات لا تختلف عنهاسياسات عقيمة ورسومات لا تختلف عنهادوسلدورف/أحمد سليمان العمري2020-11-18 23:14:24
أغلقوا المدارس التعليم أون لاينأغلقوا المدارس التعليم أون لاينفوزى يوسف اسماعيل2020-11-17 18:03:32
أقلام وإبداعات
ثلجة ونارثلجة وناركرم الشبطي2020-11-22 17:27:11
تجريم الاخوان لا  يكفيتجريم الاخوان لا يكفيرياض عبدالله الزهراني 2020-11-21 18:38:58
براعة مؤلف الإختياربراعة مؤلف الإختيارفوزى يوسف إسماعيل2020-11-21 18:09:30
ماذا ينتظر غزةماذا ينتظر غزةكرم الشبطي2020-11-20 17:07:53
افانغارد اسكندر وهارلي كوين ...افانغارد اسكندر وهارلي كوين ...ايفان علي عثمان 2020-11-20 01:19:08
قصة قصيرة للاطفال- في حينا قططقصة قصيرة للاطفال- في حينا قططمحاسب عمرو محمد نجيب طعيمه2020-11-18 08:43:03
ولنا فى عشق العيون نظرةولنا فى عشق العيون نظرةعصام صادق حسانين2020-11-15 22:17:26
عَاشَتْ عُمَانُ (عَاشَتْ عُمَانُ (محمد محمد علي جنيدي2020-11-15 15:19:02
مساحة حرة
رسالة إلي السيد المسئول ...رسالة إلي السيد المسئول ...مروة مصطفي حسونة2020-11-22 18:28:27
أين المفر ؟أين المفر ؟مهاب مصطفي فتحي2020-11-19 22:26:30
رحلة مفيدةرحلة مفيدة ياسمين مجدي عبده2020-11-19 20:28:51
الانسانية في أسمي معانيها .. شكرا لكمالانسانية في أسمي معانيها .. شكرا لكمراشد محمد عطية 2020-11-19 20:24:33
كيفية تقوية بصيلات الشعركيفية تقوية بصيلات الشعررغداء ابراهيم2020-11-17 08:39:05
الجزائر عشق فلسطينالجزائر عشق فلسطينكرم الشبطي2020-11-15 18:15:22
حتى تسمو كرة القدم المصريةحتى تسمو كرة القدم المصرية ياسمين مجدي عبده2020-11-15 13:54:53
سر الوجودسر الوجودمحمود مآلك الآشهب2020-11-15 07:37:09
وردة السعادةوردة السعادةكرم الشبطي2020-11-14 19:07:15
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر