GO MOBILE version!
مايو1820137:25:10 صـرجب81434
تجار السلام مع الاحتلال الإسرائيلي
تجار السلام مع الاحتلال الإسرائيلي
نقولا ناصر / كاتب عربي من فلسطين
مايو1820137:25:10 صـرجب81434
منذ: 9 سنوات, 2 شهور, 27 أيام, 4 ساعات, 3 دقائق, 46 ثانية

(إن الدور القيادي الذي يلعبه القطاع الخاص في الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال يخاطر بتحويل "تجار السلام" من هذا القطاع إلى تجار احتلال بغض النظر عن حسن النوايا)

بقلم نقولا ناصر*

يحظى مفاوضو السلام الفلسطينيون، ممن يعتبرون "الحياة مفاوضات"، بتغطية إعلامية ربما يحسدهم عليها من "يمارسون" السلام من مواطنيهم مع دولة الاحتلال الإسرائيلي من دون أن ينتظروا نتيجة المفاوضات، ممن يصفهم شركاؤهم "الإسرائيليون" ب"تجار السلام"، وبينما يواجه المفاوضون "السياسيون" الذين لم ينهكهم التفاوض بلا نتيجة منذ حوالي عقدين من الزمن طريقا مسدودا، يحقق "تجار السلام"، بعيدا عن الأضواء، إنجازات في "الشراكة" والتطبيع مع نظرائهم في دولة الاحتلال ليست مشروطة بإنهاء الاحتلال.

ولأن المنازعات مألوفة بين "التجار" ورجال الأعمال، ولأن التبادل التجاري بين دولة الاحتلال وبين الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة قد تضخم ليتجاوز ما يزيد على اربع مليارات دولار أميركي سنويا، ولأن الضفة والقطاع هما ثاني أكبر "شريك" اقتصادي لدولة الاحتلال بعد الولايات المتحدة، ولأن هذا التبادل يتم "نقدا" لعدم وجود التسهيلات الائتمانية والمعاملات المصرفية المعروفة بين دولة قائمة بالاحتلال وبين شعب خاضع للاحتلال، اتفق "تجار السلام" في الجانبين على تتويج هذه الانجازات في تشرين الثاني / نوفمبر المقبل بافتتاح مركز التحكيم التجاري الإسرائيلي الفلسطيني في القدس المحتلة ك"مشروع مشترك".

ومن الواضح أن هذا التوجه ل"تجار السلام" لا يتعارض بل يتكامل ويتبادل الدعم مع استراتيجية مفاوض منظمة التحرير التي توفر لهم الغطاء السياسي، لكنه بالتأكيد توجه يتناقض بل يكاد يتصادم مع التوجه الشعبي والوطني العام الذي يؤكد يوميا بالشهداء والجرحى والأسرى والمواجهات تصميمه على إنهاء التبعية الاقتصادية والسياسية لدولة الاحتلال وأي "شراكة" معها.

و"الشركاء" الفلسطينيون في مركز التحكيم التجاري يمثلون قادة القطاع الخاص وأعمدته، وحسب مختلف المراجع يسيطر هذا القطاع على ثلثي الاقتصاد في الأراضي المحتلة عام 1967، و"الشريك" الفلسطيني في "المشروع المشترك" لمركز التحكيم، السيد منيب المصري، الذي لقبه إعلام دولة الاحتلال ب" روتشيلد فلسطين"، يقول إن شركة "باديكو" وحدها، التي ساهم أعضاء مجموعة من رجال الأعمال بمليون دولار لكل منهم لتأسيسها في سنة 1994، والتي تدير حاليا أكثر من (30) شركة، وتعيل أكثر من نصف مليون فلسطيني، تدير أيضا حوالي (25%) من الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال، ومعنى ذلك أن "تجار السلام" يقودون معظم هذا الاقتصاد في اتجاه "الشراكة" والتطبيع مع دولة الاحتلال.

ومن الواضح أن "تجار السلام" وغطاءهم التفاوضي ليسوا معنيين وليس لهم مصلحة في وقفة تتبصر في المضاعفات السياسية الخطيرة لهذا التوجه على الحركة الوطنية الفلسطينية، وعلاقتها بإطالة أمد الاحتلال، بحجة أنه توجه "لا علاقة له بالعملية السياسية" كما قال المدير التنفيذي لشركة باديكو سمير حليلة، وبحجة أنهم يبنون مؤسسات بنى تحتية تحت الاحتلال ل"دولة فلسطين" المأمولة، في تساوق مع الجهود التي بذلها رئيس وزراء حكومة تسيير الأعمال في رام الله، د. سلام فياض، خلال السنوات القليلة الماضية، وفي تقاطع مع المساعي الجديدة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري ل"التنمية الاقتصادية الفلسطينية"، ليتحول "السلام التجاري" الذي يمارسونه عمليا على الأرض إلى نسخة فلسطينية من مشروع "السلام الاقتصادي" الذي يتبناه رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو.

لقد بدأت قصة "مركز التحكيم التجاري" قبل حوالي ثلاث سنوات، عندما بدأ السيد حليلة والجنرال المتقاعد من قوات الاحتلال أورين شاحور الذي يرأس حاليا "الغرفة الدولية لتجارة إسرائيل" في بلورة الفكرة، واتفقا على إنشاء الغرفة الدولية للتجارة الفلسطينية، وقد ساعدت غرفة التجارة الدولية التي تتخذ من باريس مقرا لها، والتي طالما دعت إلى "السلام من خلال التجارة"، في تأسيس الغرفة الفلسطينية بتوقيع "مذكرة تفاهم" فلسطينية – إسرائيلية معها في أيار / مايو 2011، وترأس السيد المصري هذه الغرفة، وسلم إدارتها للسيدة يارا أسعد من مكتب تبرع به رجل الأعمال طلال ناصر الدين تمهيدا ل"المشروع المشترك" بين الغرفتين في مركز التحكيم التجاري بالقدس، المخطط أن يفتح له مركزي اتصال في رام الله وتل الربيع (تل أبيب).

وتنص اتفاقية إنشاء مركز التحكيم على تحويل المنازعات التجارية التي تزيد قيمتها على سبعة ملايين دولار إلى غرفة التجارة الدولية في باريس لحلها خلال السنوات الأولى بعد افتتاح المركز، ثم يتولى المركز حلها بعد ذلك بديلا للمحاكم الفلسطينية والإسرائيلية التي لا تنفذ أحكامها سلطات تطبيق القانون في الجانبين، ما يرقى إلى إنشاء قضاء مواز في القضايا التجارية.

وفي السابع والعشرين من آذار الماضي أعلن رئيس اتحاد الغرف التجارية التركية رفعت هيسارشيكلي أوغلو قبوله العمل كرئيس دولي لمركز التحكيم الجديد لأنه "واثق تماما" من أن المركز سوف "يسهل أكثر العلاقات الاقتصادية والتجارية بين إسرائيل وبين فلسطين"، وهو ما أكده شاحور بقوله إن المركز "سوف يعزز الثقة بين الشعبين" وسوف يمثل أيضا، على ذمة "غلوبس" العبرية في منتصف الشهر الجاري، "جسرا اقتصاديا" للتطبيع الفلسطيني مع دولة الاحتلال.

وفي اليومين السابع والثامن من كانون الأول / ديسمبر العام الماضي افتتح د. سلام فياض في رام الله ورشة عمل تعليمية للتعريف بالمركز والتحكيم الدولي، شارك فيها محامون وقضاة واساتذة حقوق من معظم كليات الحقوق في جامعات الضفة ورجال أعمال وممثلون عن وزارات سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، في أول حلقة من سلسلة مبادرات مماثلة تخطط لبرامج تدريب مشتركة مع نظراء "إسرائيليين" تشمل محاكاة محكمة تحكيم يشارك فيها طلاب حقوق من الجانبين، ما يحول مشروع المركز إلى كاسحة ألغام للتطبيع تركز على النخب القانونية والاقتصادية والأكاديمية التي تقود الرأي العام الفلسطيني.

ويلفت الانتباه الدور الذي لعبه في تحقيق هذا "الإنجاز" الجنرال شاحور، مدير عام الغرفة الدولية في دولة الاحتلال، وأمينها العام باروخ مازور، فالأول أمضى اكثر من ثلاثين سنة في قيادة قوات الاحتلال وعين قائدا عسكريا مسؤولا عن عمليات الاحتلال في الضفة الغربية ليكون "رمز الاحتلال ذاته" كما وصف نفسه، ومثله كان مازور ضابطا متميزا عمل إضافة إلى خدمته العسكرية ممثلا للناجين اليهود من الهولوكوست النازي على الصعيد الدولي، لكن شاحور يقول إنه "جندي سلام لا جنرال حرب" اليوم، ويقول مازور عن كليهما إنهما من "تجار سلام"، ومن الواضح أنهما الآن يقطفان اقتصاديا ثمار فتوحاتهم العسكرية ويدعمان الاحتلال العسكري بأسس "تجارية" باسم السلام.

إن الدور القيادي الذي يلعبه القطاع الخاص في الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال، والدور القيادي الذي يلعبه في هذا القطاع الشركاء الفلسطينيون في مشروع مركز التحكيم، يقتضي وقفة جادة لمراجعة في العمق لهذا التوجه الذي "يمارس السلام" قبل صنعه، ويقيم "شراكات" مع الاحتلال قبل إنهائه، ويدفع التطبيع ثمنا مجانيا قبل أن تتوصل المفاوضات إلى اتفاق، ويوسع الهوة السياسية بين التوجه الشعبي والوطني العام وبين هذه النخب الاقتصادية، ويخاطر بتعزيز الاحتلال ببناء مؤسسات اقتصادية لدويلة فلسطينية تابعة للاحتلال، وهو ما يخاطر بدوره بتحويل "تجار السلام" إلى تجار احتلال بغض النظر عن حسن النوايا.

لكن منح الرئاسة الدولية لمشروع مركز التحكيم الفلسطيني – الإسرائيلي "المشترك" لرئيس اتحاد الغرف التجارية التركية السيد رفعت أوغلو، والزيارة التي سيقوم بها الأمير القطري الشيخ خليفة بن جاسم آل ثاني رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر للقدس المحتلة بالتزامن مع افتتاح المركز في تشرين الثاني / نوفمبر المقبل ("غلف نيوز" الخليجية و"وول ستريت جورنال" الأميركية و"يديعوت أحرونوت" العبرية)، هما مؤشران إلى أن "المشروع المشترك" الجديد لن يكون"جسرا اقتصاديا" للتطبيع التجاري الفلسطيني مع دولة الاحتلال فقط، بل "معبرا" للتطبيع التركي والقطري معها كذلك.

-------------------------------
* [email protected]

أُضيفت في: 18 مايو (أيار) 2013 الموافق 8 رجب 1434
منذ: 9 سنوات, 2 شهور, 27 أيام, 4 ساعات, 3 دقائق, 46 ثانية
0

التعليقات

4826
أراء وكتاب
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-25 13:23:03
وجد عندها رزقاوجد عندها رزقامحمد محمد علي جنيدي2021-04-24 14:20:24
في القدس ثورةفي القدس ثورةكرم الشبطي2021-04-23 18:36:12
الثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرالثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرحاتم عبد الحكيم عبد الحميد 2021-04-23 16:07:27
السيدة خديجة والحصارالسيدة خديجة والحصارحيدر محمد الوائلي2021-04-22 17:21:52
لماذا تشوهون صورة مصر؟لماذا تشوهون صورة مصر؟ ياسمين مجدي عبده2021-04-21 16:16:46
** موكب الملوك **** موكب الملوك **عصام صادق حسانين2021-04-21 14:43:18
الطاعات الواجبة في أصول الفقهالطاعات الواجبة في أصول الفقهسامح عسكر2021-03-10 23:30:23
كن مسلما متوازناكن مسلما متوازنامستشار / أحمد عبده ماهر2021-03-10 23:26:01
أبو لهب المعاصرأبو لهب المعاصرحيدر حسين سويري2021-03-10 20:10:27
التحرش وطفلة المعاديالتحرش وطفلة المعاديرفعت يونان عزيز2021-03-10 16:10:44
أقلام وإبداعات
لابصم بالدم فتحاويلابصم بالدم فتحاويسامي إبراهيم فودة2021-04-23 16:47:46
عدوان واحد يستهدف هوية المكانعدوان واحد يستهدف هوية المكانشاكر فريد حسن 2021-04-21 10:19:16
جذور الفتوة في الإعلام المصريجذور الفتوة في الإعلام المصريهاجرمحمدموسى2021-04-20 15:30:00
النت المنزلى .. وخداع الشبكاتالنت المنزلى .. وخداع الشبكاتفوزى يوسف إسماعيل2021-04-20 12:53:08
يا حبيبتي اكذبييا حبيبتي اكذبيكرم الشبطي2021-04-19 18:58:27
العقرب الطائرالعقرب الطائرابراهيم امين مؤمن2021-03-08 05:40:45
لقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدلقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدحسن محمد قره محمد2021-03-07 13:17:20
جمال ثورة المرأةجمال ثورة المرأةكرم الشبطي2021-03-07 11:19:28
مساحة حرة
حواري مع مرشح الواحاتحواري مع مرشح الواحاتحماده خيري2021-04-20 14:04:52
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-18 12:12:29
يا أمة القشوريا أمة القشوركرم الشبطي2021-03-02 22:33:06
وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!د / رأفت حجازي 2021-03-02 14:26:57
لادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلاملادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلامايفان علي عثمان 2021-03-02 05:05:18
قبل الختام يجب الكلامقبل الختام يجب الكلامهاجرمحمدموسى2021-03-02 02:13:28
المطلقة في مجتمعناالمطلقة في مجتمعناالدكتوره ريهام عاطف2021-03-01 16:23:30
من أحسن إلي..كيف أجازيه؟من أحسن إلي..كيف أجازيه؟إيناس ثابت2021-02-28 17:39:16
** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **عصام صادق حسانين2021-02-27 23:54:38
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر