الجمعة 30 يوليو 2021 م 5:23 صـ 20 ذو الحجة 1442 هـ

سهر العامرى يكتب : ابن امين للبراغماتية

2016-11-11 22:31:50

قامت سلطة المال في الدولة الأمريكية على فلسفة جون دوي المعروفة بالبراغماتية أو النفعية حين يترجمها البعض الى لغتنا العربية ، تلك الفلسفة التي تسيطر على المدرسة الأمريكية ، وكذلك قامت على المبدأ الرأسمالي الشهير ، مبدأ الفيلسوف والباحث الاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث : دعه يعمل دعه يمر ! ، وهذا المبدأ يبيح لأصحاب رؤوس الأموال العمل بحرية تامة وفق قوانين تراعي مصلحة الطبقة الرأسمالية المتحكمة بشؤون البلاد دون النظر كثيرا لمصلحة الطبقات الاجتماعية الأخرى خاصة طبقة العمال .
جون دوي نفسه ، وطبقا لفلسفته ، حين يقدم لك طاولة تكتب عليها يطالبك أن تسأل نفسك عن مقدار الربح أو النفع الذي ستحققه من خلال استغلالك لتلك الطاولة بمقالة أو كتاب تنجزه عليها ، ومن ثمة تبيعه لتحصل على ثمنه ، فهو لا يطالبك أبدا أن تسأله عن خالق أو صانع تلك الطاولة ، فهذه مسألة لا تهمه كثيرا ، ولا يريد لمريده أن يشغل باله بها . وهو هنا يقطع صلة الفلسفة بالمسألة الرئيسة فيها التي تثيرها جل المدارس الفلسفة على مختلف مشاربها ، تلك المسألة التي تتجسد بالسؤال التالي : هل الكون مادة أم عقل ؟ كما إنه لا يهتم بإثارة السؤال التالي : هل يمكن ادراك الكون أم لا يمكن ادراكه ؟ وهذا السؤال يمثل المسألة الثانوية عند المدارس الفلسفية الأخرى .
حين يطالب دونالد ترامب اليوم الكويت مثلا بتقديم 25% من نفطيها ثمنا لحماية الولايات المتحدة الامريكية لها ، فهو ينسجم في مطالبته هذه مع فلسفة جون دوي تماما ، فالحروب التي تخوضها الامبريالية الأمريكية لا بد لها من الحصول على ثمن لها ، أما الاعتبارات الأخرى من مثل صد العدوان ، ونصرة المظلومين وغيرهما لا وجود لهما في عالم تلك الفلسفة التي ربت أجيالا على هذا النهج ، وخرجت أساتذة من جامعاتها حملوا ألويتها بإخلاص وبأمانة .
كانت الحرب الأمريكية التي شنتها الامبريالية الأمريكية على الشعب الفيتنامي البطل على أشدها بداية أعوام السبعينيات من القرن المنصرم ، وكنا وقتها طلابا في كلية التربية من جامعة بغداد نتلقى دروسا في المدارس الفلسفية ، ومنها الفلسفة البراغماتية ، وحينها كان يدور جدل حار في قاعة الدرس بيني وبين الاستاذ المحاضر المتخرج في احدى الجامعات الامريكية ، والذي كان يبرر الحرب الأمريكية الظالمة التي كانت تشنها الطبقة الرأسمالية الأمريكية على الشعب الفيتنامي ، وكان الأستاذ يقول لي : إن الحرب مبررة ما دمت الطبقة الرأسمالية تربح من الفحم الفيتنامي أكثر مما تخسره في تلك الحرب . أما الرؤوس الكثيرة للفيتناميين التي كان يقطعها الجنود الأمريكان في أحراش الريف الفيتنامي ، ويرفعونها على أسنة حراب بنادقهم فقد كانت لا توخز ضمير الأستاذ ذاك .
فلسفة الربح والمال هذه استردت على عجل جميع الأموال التي أنفقتها الطبقة الرأسمالية الأمريكية في الحرب التي شنتها تلك الطبقة على العراق ، وذلك بعد أن سحقت الدبابات الأمريكية أكبر انجاز حققه الشعب العراقي هو تأميم النفط في العراق ، وحرمان الشركات الأمريكية والبريطانية من نهبه ، ذلك النهب الذي تواصل على مدى عقود من السنوات ، وأنا هنا لا أنسى تلك الليلة التي جاءنا بها الى درانا في منطقة حسين داي من العاصمة الجزائرية ، وفي ساعة متأخرة منها ، بعض من موظفي السفارة العراقية هناك بقرارات تأميم النفط التي صدرت في العراق ساعتها ، فقد كان التأميم هذا مطلبا جماهيريا هتفت به الجماهير العراقية في المظاهرات الكبيرة التي كانت تسير في شوارع المدن في هذه المناسبة أو تلك ، ولكن بعد الحرب تلك صار النفط العراقي يتدفق من أنابيب النفط العراقية ذهبا والى جيوب الرأسماليين الذين دفعوا بجيوشهم لغزو العراق ، ومن دون عدادات تعد مقدار ما تدفق منه ، ثم توج هذا الوضع باتفاقية نفطية مجحفة بين العراق وبين تجار النفط من الرأسماليين عرفت بـ " بعقود التراخيص " تلك الاتفاقية التي لم تلتفت الى قرارات التأميم تلك ، والتي صار العراق بموجبها يدفع الملايين من الدولارات لشركات النفط الرأسمالية حتى ولو لم يكن النفط قد تدفق من الآبار التي حفرتها تلك الشركات .
خلال حملته الانتخابية رحب دونالد ترامب بنهب النفط العراقي، مثلما اثني على السعوديين بقوله : إنه يحبهم لأنهم أصحاب ثروات يستطيعون بها شراء بعض العقارات التي يبنيها هو في أمريكا أو خارج أمريكا . فدونالد ترامب ابن أمين لتلك الفلسفة التي قامت على المال والربح ، وحتى لو تطلب الأمر خوض غمار معارك شرسة تبعد آلاف الكيلومترات عن حي المال والأعمال في الول ستريت من منطقة مانهاتن في نيويورك عاصمة المال الأمريكية حيث تنتصب هناك ناطحة سحاب للرئيس المنتخب دونالد ترامب تتكون من خمسة وستين طابقا ، وقفت أمامها أنا ذات مساء حين زرت آثار ما تهدم من ناطحات سحاب أخرى بسبب من غزوة ابن لادن لهذا الحي .

بقلم : سهر العامري
مدير دار نشر فيشون ميديا Visionmedia Syd السويد

127919
جميع الحقوق محفوظة © 2021 - جريدة شباب مصر