السبت 08 مايو 2021 م 11:42 مـ 26 رمضان 1442 هـ

الأسد ينطلق من العرين

2017-04-23 20:59:13
الدكتور أحمد عبد الهادى

كان من الطبيعى ونشأته كذلك أن يشق الجنرال طريقه بسرعة ونجاح يتكافئ مع عشقه لما يعمل ... واتقانه لكل شئ يفعله .. فبعد تخرجه من الكلية الحربية عام 1977 حصل على درجة الماجستير من كلية القادة والأركان عام 1987 . وماجستير آخر من كلية القادة والأركان البريطانية بعدها بخمسة سنوات .. وحصل على زمالة كلية الحرب العليا من أكاديمية ناصر العسكرية العليا ثم توجه للولايات المتحدة الأمريكية عام 2005م وحصل على زمالة كلية الحرب العليا بعدها بعام .  

وقد تدرج فى شغل المناصب الاستراتيجية والهامة داخل القوات المسلحة ... حيث تولى رئاسة فرع المعلومات والأمن بالأمانة العامة لوزارة الدفاع .. وقائد كتيبة مشاة ميكانيكية وملحق دفاع بالمملكة العربية السعودية . وقائد لواء مشاة ميكانيكية وقائد فرقة مشاة ميكانيكية . ورئيس أركان المنطقة الشمالية العسكرية . ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع . 
وعلى الرغم من أن مسيرته امتدت سواء بالصعود أوالتحركات إلا أن الإدارة الأمريكية لم تتوقف عند أى محطة من محطات حياته إلا تلك الفترة الوجيزة التى قضاها هناك فى مدينة كارلايل بولاية بنسلفانيا والتى كان يدرس خلالها فى كلية الحرب الأمريكية عام 2005 والتى درس خلالها عدد من الدورات فى التفكير الاستراتيجى ونظرية الحرب الاستراتيجية وصياغة السياسات الوطنية  حيث حاولت خلال مرحلة تالية من حياته أن تبحث عما يمكن أن يخترق ويقترب من شخص الجنرال . وبحثت عن ثمة مفتاح يفضى إلى الغرفة المغلقة ... لكنها أبدا لم تجد . ولذلك لم يكن غريبا أن تقول عنه مجلة فورين بوليس : 
برغم دراسة الجنرال السيسى بكلية الأركان الأمريكية التابعة للجيش الأمريكى إلا أنه لاتوجد مؤشرات على أن دراسته فى الولايات المتحدة منحت واشنطن أى نفوذ يذكر على أقوى رجل فى مصر الآن . فقد تجاهل تحذيرات وزير الدفاع الأمريكى تشاك هيجل المتكررة يوم الإطاحة بالرئيس مرسى ولم يستمع لنصائح المسئوليين الأمريكيين بعدم ملاحقة قيادات الإخوان . بل الأكثر من ذلك شن السيسى هجوما وانتقادات حادة على واشنطن هى الأقوى لوزير دفاع مصرى منذ عقود . 
بهذه التصريحات التى نشرتها المجلة الأميركية يتأكد أن الجنرال لم يول وجهه شطر أميركا ... بل شطر الوطن رغم الفترة التى قضاها هناك ...وأنه وطوال مسيرته لم يكن يهتم بتعضيد موقفه ودعم نفسه عند الإدارة الأمريكية مثل سابقيه لو كان يرغب فى مصلحة خاصة ... بل أطاح بمكانة أميركا لدى مصر فى مرحلة تالية عندما شعر بأنها تخطط وتدعم إمبراطورية الإخوان بهدف تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير بالمنطقة  . 
كان يدرك أبعاد المخطط .. وكان على مقربة منه . وإدراكا لفحوى مشروع الشرق الأوسط الكبير الذى ترغب واشنطن فى تنفيذه ... وكان يدرك وهو يتصدى للجماعة الإخوانية فى مرحلة تالية من حياته أنها لن تتوانى عن تنفيذ مخططها سواء من خلال مرسى أومن خلاله هو شخصيا عندما تقدم له الإغراءات والجوائز السياسية ... لكنه وهو ابن حارة البرقوقية بحى الجمالية...وابن سيدة عظيمة اسمها سعاد إبراهيم غرست فيه كل القيم الوطنية والثقافة المصرية الأصيلة .. وابن هذا الوطن الذى وهب له نفسه أعلن بقوة عن رفضه كل المغريات والإغراءات ... وهو رفض لم ينطلق بين عشية وضحاها ... إنما جاء عبر خبرات كان يعد نفسه لها منذ سنوات طويلة ... عندما أخذت خطواته الفتية ترسم ملامح الجنرال بتأنى وإتقان منذ أن كان فى الدرب الصغير ... فى قلب ذلك الحى التاريخى العتيق ... وهو أمر كشفه أستاذه الأميركى البروفيسور ستيفن جيراس الذى قال عنه " كان السيسى طالبا ذكيا يتقن اللغة الإنجليزية وجادا وكان أكثر الطلاب العسكريين الذين كانوا يدرسون الزمالة جدية ... وهو متدين فى غير تعصب .. " 
لم تتوقف تصريحات جيراس عند هذا الحد بل راح يكشف عن جزء آخر من ملامح هذا الجنرال والنتائج التى وصلت لها تلك الثقافة وهذا الانتماء : " .... لقد برهن السيسى أنه رجل قوى فعلا . استطاع الحفاظ على استقلال القرار السياسى المصرى وأرغم الولايات المتحدة على مراجعة مواقفها من ثورة 30 يونيو . ولم يلن لإدارة الرئيس باراك أوباما عقب تجميد المعونات الأميركية لمصر . ولم يرضخ لضغوط تركيا . بل طرد السفير التركى من القاهرة ولم يخجل من تقديم الشكر لدول الخليج العربية على مساعدتها مصر " .. 
بهذه الكلمات التى نطق بها جيراس يتأكد للمتابع أن السيسى لم يستهدف مصلحة خاصة ... وإلا كان قبل كل الإغراءات المقدمة له من الطرف الأميركى ... ونيل رضا أميركا لأى حاكم عربى غاية المنال فهى تضمن لأى شخص راغب فى حكم مصر الاستقرار وضمان عرشه . فهو فى حماية أعتى دول العالم والتى لايستطيع أى حاكم أن يستمر على عرشه دون رضاها ... وهو ماتصوره محمد مرسى ... وتصورته الجماعة الإخوانية ... وتصوره خيرت الشاطر نائب مرشد الإخوان وهو يهدد السيسى ويتوعد أن أميركا لن تصمت فى حالة الإطاحة بمرسى .. ورغم ذلك أطاح بكل الأعراف الدولية وتصدى للهيمنة الأمريكية فى مصر والمنطقة ... وضرب عرض الحائط بكل المغريات التى كانت فى انتظاره ... وتصدى بقوة لواشنطن غير عابئ بكل التهديدات ... وهو أمر يؤكد أن الجنرال لم يحاول العمل على تحقيق مصلحة شخصية أوحظوة لدى واشنطن . 
لقد آمن الرجل بالوطن . حتى عندما حاول البعض التظاهر ضده فى أزمة جزيرتى ثيران وصنافير بعدها وزعموا أنه باعهما للسعودية . رفض الشعب المصرى التضامن مع هذه المظاهرات وتأكد لكل المصريين أن السيسى لو أراد أن يبيع الوطن لباعه خلال فترة حكم الإخوان . أوباعه لإدارة البيت الأبيض . ولأن الجنرال آمن بالوطن ... فقد كان على يقين مما يحتاجه هذا الوطن من خلال دراساته العسكرية وثقافتة الخاصة فقد ضمن أفكاره تلك فى بحث أعده خلال دراسته فى أميركا .. البحث كان بعنوان " الديمقراطية فى الشرق الأوسط " . وقد أظهر خلال هذا البحث إيمانه الشديد بفكرة الوطن وجرأته وثباته على المبدأ حيث قال فى البحث " مصر ترفض الأفكار المتطرفة . وإصلاح التعليم أولى خطوات الديمقراطية . وأنه لابد من توحد دول الشرق الأوسط تحت مظلة واحدة لضمان تحقيق مصالح المنطقة " 
ورغم أن الجنرال يدرس فى أميركا والبحث مقدم للإدارة الأمريكية عبر كلية الحرب الأمريكية إلا أنه قال فى بحثه " ... أتمنى أن تنفق أميركا ملياراتها لمساعدة الدول بدلا من غزوها خاصة وأن ضرب العراق وأفغانستان أفقد الثقة فى نواياها .... " ... 
لقد كان صريحا لأبعد حد مع الإدارة الأمريكية التى لم يكن يخشاها فى أى محطة تاريخية من محطات حياته ... وكان يدرك ماتدبره أميركا للمنطقة ... وأطلق تحذيرات منذ عام 2005 عبر البحث الذى أعده لكل دول منطقة الشرق الأوسط التى طالبها بسرعة وضرورة التوحد لمواجهة مايحاك لها فى الخفاء ... 
لقد وصلت المعلومات الكاملة للجنرال وعرف كيف تفكر واشنطن ... وأدرك أهدافها ... فهو قرأ أفكارها وخبرها وعرفها وكشفها كاملة أمامه ... فالعام الذى قضاه هناك خلال دراسته فى كلية الحرب ... لم يكن هو الأول من نوعه ففى عام 1981 تلقى دورة أساسية فى سلاح المشاة فى قاعدة فورت بنينج فى جورجيا . وخلالها ترك بصماته وثقافته . وخلال تلك الفترة نجح فى أن يخترق عقل الإدارة الأمريكية عبر دراسته وتحركاته التى لم تهدأ ... وقال عنه الضابط الأميركى المتقاعد فرانك فيليبس الذى كان صديقا له : 
ـ لقد كان السيسى يؤم الصلاة للطلبة المسلمين خلال دورته الدراسية تلك .. كان متدينا لكنه لم يكن متعصبا . وكان شديد الوطنية 
بهذه الكلمات وماتلاها فى مرحلة أخرى من حياته خلال وجوده فى أميركا يتأكد أن الجنرال كان يدرك المسئولية القادمة والتى ستلقى على عاتقه فى مرحلة تالية فى مواجهة مخطط أميركى يحاك فى الظلام ... كان يدرك أنه لاوقت يقضيه فى أى تحركات مغايرة لما يحتاجه ذلك الوطن ... وكان يدرك أبعاد المؤامرات القادمة فهو وعبر دراسته تلك نجح فى قراءة فكر واستراتيجية الإدارة الأميركية ولذلك وضع خلاصة تفكيره فى بحثه الذى أعده خلال آخر دراسة له هناك .. وأعد نفسه بأسلحته الخاصة لمواجهة الخطر القادم ... لم تبهره الإغراءات ... لم تستوقفه الأوسمة والأنواط والميداليات التى حصل عليها ... بل كان يعتبرها خطوات تدعم من قوته فى مواجهة التحديات التى تواجهه ... لقد حصل الجنرال على عدد منها خلال رحلة الطريق ... من بينها ميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة عام 1998 ... وعام 2005 حصل على نوط الواجب العسكرى من الطبقة الثانية .. ثم نوط الامتياز عام 2007 ... ثم ميدالية 25 يناير 2012 . 
لم يهدأ رغم صعوده ... لم يشعر بأنه حقق ما أراد ... فما يرغبه ويريده ليس مجدا شخصيا ... ومنصب يطمح إليه ... لقد قرأ ... واستوعب ... وخرج من رحم الحى التاريخى العتيق الذى يضم بين جوانبه شخصيات تاريخية التقى بها فتحولت داخله إلى لحم ودم ووضعها نبراسا له ... فتسلح بتدينه والقرآن الذى حفظه على يد أمه " الحاجة سعاد " ... أوالحاجة .... فعندما ينطق باسمها هكذا " الحاجة " يعرف من حوله أنه لايقصد سوى أمه التى نجحت فى تحفيظه القرآن كله وهو صغير لايزل مع كل الأشقاء ... هذا القرآن الذى حفظه طوال مسيرته العملية ... وحافظ على تدينه ... والتزامه وهو أمر أغرى محمد مرسى بعدها فى أن يختاره وزيرا للدفاع خلفا للمشير حسين طنطاوى وزير الدفاع آنذاك خاصة وأن بعض وسائل الإعلام همست وهمهمت بتوجه السيسى الإخوانى ... نظرا لتدينه الشديد ... وهى همسات خطط لها وأطلقها السيسى فى الخفاء فى محاولة لتوصيل رسالة لمرسى . والرسالة وصلت بالفعل ... باقتدار ... فحدث ماحدث وتولى السيسى وزارة الدفاع ... وهى تحركات نجح الجنرال فى امتلاك مقومات تنفيذها عبر دراسته لخطط التفكير الاستراتيجى الذى يصل لهدفه عبر تكنيك دقيق ... لقد نجح الرجل فى أن يستوعب مايحاك لهذا الوطن فى الخفاء ... فاستعد لمواجهة المؤامرة . 

131333
جميع الحقوق محفوظة © 2021 - جريدة شباب مصر