الأربعاء 28 يوليو 2021 م 12:46 صـ 17 ذو الحجة 1442 هـ

الإسلاموفوبيا في نُسخَتِها الفرنسية...

2020-12-01 08:16:48
دكتور السيد إبراهيم أحمد

استثمر الإعلام الغربي بدعم من الصهيونية العالمية وبعض المراكز اليهودية في أوروبا الترويج للخوف من الإسلام، وذلك عبر ضخ مجموعة من المفكرين الذين لهم كلمتهم المسموعة في البرامج التلفازية الموجهة والكتب والدراسات التي تقوم بتمويلها تلك المراكز وبعض المنظمات المسيحية الأوروبية الحاقدة على الإسلام، والغرض الظاهر من تلك الحملة الممنهجة "حماية العلمانية الغربية والديمقراطية" كمنظومة تتشارك فيها أمريكا وأوروبا على حدٍ سواء.

على أن العالم ببواطن الأمور يدرك أن السبب الخفي من وراء هذا التوجه هو وقف تدفق إسلام الغربيين والغربيات طواعية ودون إكراه من أحد، ويستخدم المخوِفونَ من الإسلام كل ما يؤيد وجهة نظرهم من خلال الاستشهاد بالاعتداء الذي تم في الحادي عشر من سبتمبر على أمريكا الذي روع الغرب كله، مع أن هناك من الآراء التي خرجت من الغرب نفسه التي تؤكد أن ما حدث صناعة أمريكية، كما يستشهدون في تبشيع "داعش" وما تصنعه في المسيحيين والمسلمين من فظائع على السواء، والكل يعلم أنها صناعة غربية أمريكية مشتركة أيضا.

غالبًا ما يلح هذا السؤال على من يدرسون الإسلاموفوبيا: لماذا فرنسا هي التي لها حالة خاصة معها؟ وتأتي الإجابات عاكسة للعنصرية التي يمارسها المتطرفون الفرنسيون بمؤازرة يهودية صرفة حيث يروجون لسمومهم عن إرهابية الإسلام ودمويته ونزوعه للقتل، وأن الإسلام دين يحمل قيمًا مخالفة عن باقي الديانات السماوية والأرضية على السواء، كما أنهم لا يكتفون بهذا فينظرون إليه نظرة دونية موسومة بصفات لا يمكن أن تنطبق عليه من كونه: دين غير منطقي، وضد التقدم، وهمجي وبربري، وغيرها من الأوصاف، وقد تصاعدت النغمات العدائية الهادرة مع وصول "ساركوزي" على رأس السلطة الفرنسية وهو ما يتزامن مع صعود المد اليميني المتطرف، وطرح شعار "تدعيم الوحدة الوطنية الفرنسية" ولن يقوم هذا التدعيم إلا بنبذ العنصر الإسلامي المتوغل في البنية المجتمعية الفرنسية لأن الإسلام هو الدين الثاني بعد المسيحية ترتيبا.

تبرز الإسلاموفوبيا في نسختها الفرنسية من تدعيم الرُهاب من الإسلام ونشر المخاوف منه بين الأجيال الفرنسية الناشئة، وتعزيز مشاعر الرفض عندهم ضد كل المسلمين وضد كل ما هو إسلامي بالتبعية، ولذا فقد زادت الشعارات والعبارات التحريضية التي تحملها صفحات التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام الرسمية ـ في بعض الأحيان ـ التي تنقل ما يقال على ألسنة بعض السياسيين الفرنسيين المتطرفين، وهو ما خلق حالة من القلق والتوتر في المجتمعات الفرنسية.

لقد اتخذت فرنسا العلمانية مظاهر للإسلاموفوبيا متناقضة مع دفاعها وحمايتها للحريات، ومنها منع النقاب مع أن هناك (2000) سيدة في فرنسا ملتزمات بالنقاب تقريبا، بل منهن من ترتدينه منذ أعوام طوال ولم تفعل واحدة منهن ما يدعو لأن تستوقفها الشرطة الفرنسية للمساءلة، وكان من نتيجة ذلك إثارة الكثير من الجدل الديني والفقهي في البلاد الإسلامية، بل شهد انقساما في رأي رجال الدين أنفسهم بين مشروعيته، وفرضيته، وبدعيته، مثلما شهد أيضا انقسامًا في الرأي بين التيارات الليبرالية ما بين مؤيدٍ ومعارض للقرار الفرنسي بالمنع، وبين كونه يتعارض مع الليبرالية ومع الحرية الفردية للمرأة، كما رآه البعض انتصارًا عظيما للقيم الأوروبية العلمانية!

إن الخوف الكامن في نفوس المسئولين الفرنسيين مصدره التمدد الديموغرافي الإسلامي، على الرغم من أنه لا توجد إحصائيات رسمية تحدد عدد المسلمين في فرنسا؛ لأن القانون الفرنسي يحول دون قيام الإحصاء على أساس ديني، غير أن المشكلة باتت تدور حول: الهوية، والاندماج، والاستقلالية مما يعني وجود مشكلة اجتماعية نبتت على إثرها صيحات تندد بوجود حوالي عشرة مليون مسلم لا يفيدون فرنسا في شئ، وقد كذبوا، لأن الطواقم الطبية العربية والإسلامية بل ومن الجنسيات الأخرى هم أول من يتصدون للاجتياح الكوروني الكوفيدي بل هم أول ضحاياه، وهو ما يعني أن خروج العرب والمسلمين من فرنسا سيشكل خسارة لها كبيرة.

لقد حاول الرئيس الفرنسي الحالي "ماكرون" التحالف مع اليمين المتطرف من أجل استثمار ظاهرة الإسلاموفوبيا في محاولة منه للتغطية على إخفاقاته المتتالية، في الوقت الذي غض الطرف على الفارق الجوهري بين ما هو إرهابي وما هو إسلامي، مثلما يغض الطرف عن التطرف الإرهابي المسيحي ولا يجرؤ على المزج بينهما، غير أنه يلجأ لهذا جاهدا من أجل البقاء لفترة رئاسية جديدة، يعلم تمامًا أنه لن ينالها، ومع هذا فهو يحاول اللعب مع الكفة اليمينية الراجحة، من وجهة نظره القاصرة، ولذا فقد بالغ في التضييق على المسلمين، حيث تم منعهم من أداء شعائر صلاة الجمعة في الشارع، وحين أقاموها تعالت أصوات الفرنسيين المعترضين بالتشويش عليهم مرددين النشيد الوطني الفرنسي في بعض الأنحاء.

وفي الوقت الذي تسمح فيه الحكومة الفرنسية للجمعيات المُنَاهِضة لوجود المسلمين فيها؛ فلا تمنع إشهارها أو محاسبتها على ما تصدره من ألفاظ تستهدف التشهير والتقبيح والتهوين والدونية والاحتقار في شأنهم، تمنع جمعية "التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا" بل يريد وزير الداخلية الفرنسي "جيرالد دارمانان" حلها، لأنها بحسب زعمه "عدوة للجمهورية الفرنسية"، على الرغم من أن التجمع ينفي أية علاقة له بما يُسمى بالإسلام السياسي أو المتطرف.
على أن الهدف غير المعلن من وراء قرار حل التجمع أن من مهامه رصد الأعمال المرتبطة بمعاداة الإسلام وإحصائها سنويا، وذلك باعتبارها أعمالًا تتسم بالتمييز والعنف ضد المؤسسات أو الأشخاص، كما انتقد التجمع مشروع قانون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المسمى بـ "ضد الانفصالية"، باعتباره إسلاموفوبيا من الدولة دون تقييد، باسم مكافحة الإرهاب.

لقد قال الكاتب الفرنسي"فرانسوا بورغا" في مقال له بـ "الميدل إيست آي" محذرًا: (إن الإسلاموفوبيا التي ترعاها الدولة الفرنسية، هي أكبر خطر على الجمهورية، وإن المبالغة في الرد على جريمة مقتل المدرس باتي، هي بالضبط ما يتمناه "الإرهابيون")، كما قال: (أن ردود الفعل غير الرشيدة تلك إنما تخدم الجهاديين وتجعل "فرنسا أم الحقوق" تتخطى عتبة بالغة الخطورة).

يحذر "بورغا" من نتائج الاستمرار في انتهاج هذه الاستراتيجية الفرنسية الجديدة لأنها بكل وضوح ستزيد من جاذبية تنظيمات مثل الدولة الإسلامية، وتضفي مصداقية على الاتهامات القديمة التي كانت توجهها هذه الدولة وكافة المجموعات الجهادية إلى فرنسا بأنها تمارس العداء بشكل منتظم ضد المسلمين بما في ذلك ضد مواطنيها، كما يرى أنه لا توجد حملة رئاسية في تاريخ فرنسا المعاصر، نجم عنها مثل هذا الإضرار بمستقبل مواطنيها الناخبين من كل الأديان والمذاهب والمعتقدات على المدى القريب والبعيد.

وأؤيد ما ذهب إليه الكاتب النابه، وهو ما غاب عن منفذي الإسلاموفوبيا في نسختها الفرنسية، وأزيد عليه: أن من سيتجرع كأس الكراهية والتحريض على الإقصاء والتهميش للمسلمين هو الرئيس "ماكرون" وحيدًا أو مع نخبته التي تحرضه على هذا الصنيع، وسيذهب كما ذهب غيره، وستبقى فرنسا ويبقى فيها شعبها بكل أطيافه، غير أن الإسلاموفوبيا ستبقى دائما أبدا كالنار تحت الرماد، تخبو حينا، وتعلو حينا بحسب سياسة من يعتلي كرسي حكم فرنسا في الإليزيه.

156024
جميع الحقوق محفوظة © 2021 - جريدة شباب مصر