السبت 27 نوفمبر 2021 م 4:33 صـ 21 ربيع آخر 1443 هـ
الرئيسية | مساحة حرة

الكورد وعقد الآمال على إدارة الرئيس بايدن

2021-01-28 12:41:38
جوان ديبو


انتعشت آمال الكورد مجدداً في كردستان العراق وكردستان سوريا تزامناً مع فوز جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة بعد أن تقوضت تلك الآمال كثيراً في زمن سلفه دونالد ترامب. التفاؤل الكردي المشوب بالحذر مرده التعاطف الذي لطالما أبداه بايدن تجاه الكورد خلال مسيرته السياسية الطويلة منذ أن كان سيناتورا ومرورا بمنصب نائب الرئيس والى أن أصبح أخيراً سيد البيت الأبيض.

الاعتقاد السائد بين معظم النخب الكردية هو أن المشهد الحالي العام في المنطقة، بعد تولي بايدن رئاسة البيت الأبيض، يبعث نسبياً على الراحة والطمأنينة كردياً. فالعلاقات الأمريكية – التركية تشهد حالة غير مسبوقة من التردي حتى وصلت الأمور الى مرحلة فرضت فيها واشنطن حزمة من العقوبات ضد مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية بسبب شراء أنقرة منظومة الصواريخ الدفاعية الروسية اس-400. هذا بالإضافة الى أن تلك العلاقات مرشحة لمزيد من التراجع بسبب المنغصات التي تسببها أنقرة على الدوام لحلفائها في الناتو على خلفية تجاوزاتها المتكررة في شرق المتوسط وليبيا وسوريا وناغورني كاراباخ وغيرها.

بالنسبة للكورد، ما دامت العلاقات الأمريكية والغربية عموما سيئة مع تركيا، فهذا بحد ذاته يبعث على الارتياح ولو نسبياً ومرحلياً كون تركيا كانت وما زالت العقبة الكأداء الأولى والرئيسية التي تعرقل تحقيق الطموحات الكردية. وبالتالي أية انتكاسة في العلاقات الأمريكية الغربية – التركية يعتبر مكسب بالنسبة للكورد مهما بدا ذلك مؤقتاً وأمراً ساذجاً في عوالم السياسة والدبلوماسية.

يأمل الكورد أن يطال التغيير الإيجابي المأمول في مواقف إدارة الرئيس بايدن جميع القضايا الكردية في الشرق الأوسط وخاصة في العراق وسوريا. على مستوى إقليم كردستان العراق، يتوقع قادة الإقليم أن يلعب الرئيس بايدن دوراً أكثر فاعلية من سلفه ترامب، يترواح بين دعم مواقف الإقليم في حل القضايا الدستورية والإدارية والمالية والسيادية العالقة مع بغداد من ناحية، وإعادة إحياء مساعي الإقليم في الاستقلال المنشود من ناحية ثانية. أيضاً يتمنى قادة الإقليم من إدارة الرئيس بايدن العمل على لجم التدخلات التركية والإيرانية المتزايدة في شؤون الإقليم والتي شهدت اضطرادا ملحوظاً في فترة رئاسة ترامب، خاصة بعد استفتاء الاستقلال في كردستان العراق في سبتمر 2017.

على الصعيد الكردي في سوريا، تتطلع القيادات الكردية أن تعمد إدارة بايدن ليس فقط إلى الإبقاء على القوات الأمريكية الموجودة حالياً في كردستان سوريا وإنما الى زيادة عددها لتقارب العدد الأولي قبل قرار الانسحاب المشؤوم الذي أصدره الرئيس ترامب في اوكتوبر 2019. هذا التمني الكردي هو لتمكين واشنطن من لعب دور أكثر تأثيرا وفاعلية في الحل السياسي للأزمة السورية عبر تكثيف وجودها العسكري وتقوية حلفائها المحليين المتمثلين بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الجناح العسكري للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي يقودها الكورد. الغاية المرجوة من ذلك هو تقديم وفرض الكورد كطرف مستقل في مفاوضات الحل النهائي. كذلك للاستمرار في محاربة الجيوب المتنقلة لتنظيم داعش الإرهابي ولردع تركيا الأردوغانية من القيام بأية هجمات جديدة ضد المناطق الكردية في سوريا.

في نفس السياق، تتطلع الإدارة الذاتية أن تعمد إدارة بايدن الى الاستثمار في مناطقها وتمويل بعض المشاريع الإنمائية على أمل تحقيق نوع من الاستقرار الاقتصادي النسبي وتخفيف حدة الأزمة المعيشية الخانقة التي تعصف بمناطقها وسوريا عموما منذ 2011 والتي ازدادت وتيرتها بعد وضع قانون قيصر موضع التنفيذ. أيضاً المواظبة والاستمرار في المساعي التي بدأتها إدارة ترامب والرامية الى رأب الصدع بين حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يقود الإدارة الذاتية من ناحية وبين المجلس الوطني الكردي المنضوي ضمن الائتلاف السوري المدعوم من أنقرة، بهدف تأسيس مرجعية كردية موحدة للمشاركة كوفد مستقل في محادثات جنيف للحل السياسي.

فيما يتعلق الأمر بالداخل التركي، يبدو أن إدارة بايدن ستتحرش بحكومة العدالة والتنمية من بوابة الحريات وحقوق الإنسان التي تشمل أيضا الكورد في تركيا. في هذا السياق، اعرب مؤخرا المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، عن قلق بلاده حيال مواصلة تركيا اعتقال السياسي الكردي صلاح الدين دميرتاش والناشط التركي عثمان كافا مطالباً السلطات التركية بالإفراج الفوري عنهما. وهذا بدوره يشير الى أن شهر العسل المر الذي كان بين اردوغان وترامب قد انتهى وأن صولات وجولات من المواجهات الدبلوماسية الساخنة بين أردوغان وبايدن باتت وشيكة.

لكن ماذا لو كانت الآمال الكردية المعقودة على إدارة الرئيس بايدن أوهاماً أو أحلاماً في أفضل الأحوال أو ماذا لو لم يرتقي ما يصبو اليه بايدن في الشرق الاوسط الى مستوى طموحات الكورد. خاصة أن التجارب السابقة قد علَّمت الكورد بأن الولايات المتحدة هي دولة مصالح وليست دولة مبادئ، وسبق للكورد وأن باءت محاولاتهم الحثيثة في الاستقلال ونيل الحقوق بالفشل لأكثر من مرة وفي أكثر من تاريخ ومكان بسبب خذلان الدول الكبرى لهم ومن بينها الولايات المتحدة نفسها.

بعد خذلان ترامب "الجمهوري" المتكرر للكورد في العراق وسوريا هل سينصفهم بايدن "الديمقراطي" كما دأب على تأكيد ذلك مرارا وتكرارا في الماضي عندما لم يكن سيد البيت الأبيض؟ أم أن مصالح العم سام وخلو سياساته الخارجية على الأغلب من المعايير الأخلاقية ستتناقض مرة أخرى مع حقوق الكورد؟ هذه الأمة التي لم يعد بوسعها سوى عقد الآمال على الأقوياء الذين بدورهم يوعدون ويتعهدون إلا أنهم سرعان ما ينكصون وعودهم وتعهداتهم ويتنصلون منها بسبب المصالح التي تغلب الأخلاق. وبالتالي تتحطم وتتهشم الآمال الكردية وتتحول تدريجياً الى آلام موجعة في الروح والجسد والذاكرة ولا يبقى شيء للكورد في النهاية "إلا الريح" كما قال الشاعر محمود درويش.
 

0
مساحة حرة
156761
جميع الحقوق محفوظة © 2021 - جريدة شباب مصر