GO MOBILE version!
مارس25201710:44:16 مـجمادى آخر261438
عندما نعيش في أحلام الآخرين ؟؟
عندما نعيش في أحلام الآخرين ؟؟
مارس25201710:44:16 مـجمادى آخر261438
منذ: 4 سنوات, 2 شهور, 22 أيام, 20 ساعات, 32 دقائق, 12 ثانية


ألا توجد لديك أحلام خاصة .. لماذا تعيش في أحلام و مشاكل الآخرين ؟؟
مقدمة
هذا السؤال المحوري في حياة كل منا ..عندما نطرحه مبكرا تستقيم الأمور إلي حد كبير .. فأحلامك الصغيرة التي تسعي لتحقيقها .. تساعدك و تدربك علي وسيلة تحقيق الحلم الأكبر ليصبح أسلوب حياة .
و لكن عندما يكون الحلم (محظورا ) بالأمر لأنه يتعارض مع المقدر و المقسوم .. فإن صاحبه يتحول لريشة في مهب الريح .. تحمله أينما حلت .. و تجعل من الصدفة المؤثر الأساسي في تطور حياته حتى تجيء اللحظة التي يكتشف فيها عشوائية تواجده و أنه مستنزف و مستهلك في مشاكل مفروضة علية بواسطة الآخرين فيتساءل بخجل .. ترى ما هي أحلامك ؟.
في مقالي هذا .. سأقص عليكم بعض من أحلامي خلال مراحل عمرى المختلفة .. مبتعدا بالحوار .. عن ما يجرى اليوم من تردى و سقوط و تفكك لمجتمع .. مضطر لان أعيش فية وينوبني من سخامه ومصائبه الكثير
أسباب ذلك أنه لم يعد باستطاعتي أو قدرتي إحداث أى تغيير في اتجاه موجات الانحطاط الطاغية .. فالأفضل أن أتوقف عن النواح الذي يجعل مني مسنا مزعجا .
و الأخرى ( رغم علمي .. أنني سأواجه أذانا صماء .. و عقولا رافضة منهكة في سباق و صراع حياة مجتمع غير مواتية) أنه ربما كان أى من الأبناء أو الأحفاد لديه حلم يكرر به ما حلم الأب .. و قد يحتاج لسماع تجربته رغم فشلها و قصورها
1- الحلم الأول ...1941.
-----------------
الفرق بيني و بين أخي حامد سنة ونصف .. لذلك عندما اكتشفت أمي الحمل الجديد نصحوها بفطام إبن التسعة أشهر ((اللي هو أنا )) .. فغربتني لدى خال لي كانت زوجته تركية صارمة .. فرضت علي قوانينها .. و بدأت في تعويدى علي تناول أكل الكبار ومنه نوع من الحلوى يسمي (سد الحنك )لازلت أحبه حتي الان .. و ظلت هي و خالة لي مواظبتين علي تعذيبي بطعام غير مستثاغ لطفل الشهور العشرة الذى بدأ يتحرك منطلقا في المنزل بلا ضابط أو رابط .
بعد حوالي شهرين او ثلاثة .. جاءت والدتي لاسترجاعي فرفضت أن أذهب لها ..
و كان النظام في بيت خالي أن يخلع الزوار أحذيتهم أو مداساتهم علي الباب كي لا يلوثوا السجاد بها .. فجلست أمي في نهاية الغرفة بجوار الأحذية علي الأرض حزينة واضعة كفها تحت ذقنها كاتمة دموعها ..
تحركت(انا ) ببطء لم يلاحظونه.. حتي أصبحت بجوارها فأمسكت بشبشب
وظللت أضربها به علي راسها ثم إرتميت في حضنها .
و جاء حامد للدنيا .. كنا في زمن منتصف الحرب العالمية الثانية .. و محظور الاضاءة .. وكانت السلع شحيحة ..و الحالة ضنك علي الجميع.. إلا إبن السنة
و نصف ..الذى كان له حلما أخربعيدا عن كل ملابسات هذه الحياة الصعبة .. لقد كان يقف أمام أمة و هي ترضع أخيه .. متوسلا
(( شوفي كدة شوية لبن عند الواد دادى يا ماما )) لقد كان الحلم الأول الذي لم يتحقق رضعه لبن من ثدى والدته.
2- الحلم الثاني.. 1945
----------------
كانت شرفة منزلنا تطل علي شارع الشرفا .. و منها كان يمكن .. مشاهدة مدرسة راهبات (نوتردام ديزابوتر)..من الباب الخلفي .. و لقد ألحقتني والدتي بها مع بنات أخوها .
هناك كونت صداقاتي الأولي .. من الأولاد و البنات .. لكن أقربهم لي كانت نهي و أسامة .. لذلك عندما حملت والدتي للمرة الثالثة .. و كانوا يبحثون عن إسم للمولود اخترت الاسمين ووافق والدي فورا عليهما فلقد كنا في ذلك الوقت لا نعرف ما الذي تحمله الانثي في رحمها حتى أخر دقيقة
عندما طلبت من الراهبة المعلمة أن أذهب لدورة المياة .. كانت إجابتها الرفض .. لقد كانت تحاول أن تعلمنا الانضباط .. و لكنني رجعت ثلاث صفوف للخلف و فتحت زراير بنطلوني و بدأت أتبول .. حتي أفرغت المثانة ثم عدت لمكاني .
المدرسة الراهبة وجدت سرسوبا من المياة قادم أسفل قدمها ويكاد يلمس ثوبها الطويل .. فبدأت تتبعه لتجد( تاختة) فارغة من الأطفال .. جست جميع من كانوا في الصف بما في ذلك انا فلم تجد أى بلل .
لقد وضعتها في حيرة ..و لكنها كانت تشك في كوني أنا الفاعل فتركتني أذهب دون منع خلال الفسحة و عندما بدأت أقص علي إبنه خالي ما فعلت .. وجدت من يمسك أذني و تطلب مني أن أدعو والدتي لتقابلها .
أمي كانت تضحك .. و هي تستمع لشكوى المدرسة .. و الاخرى كانت أيضا تبتسم وعلي غير المتوقع طلبت أن تنقلني لصف أكبر نظرا لان استيعابي يفوق سني .
في الصف الجديد لم يكن لي أى رغبة في الاستمرار مع الاغراب ..لم تكن تهمني الدراسة ..أو التعلم .. لقد كان كل أملي هو أن أعود لأصدقائي و صديقاتي .. ولكن يبدو أنه كان حلما بعيد المنال .. لم يتحقق حتي غادرت المدرسة لالتحق باولي ابتدائي بمدرسة (الالهامية ) للأولاد ولازالت نهي برادة (او بليغ ) وناهد المنشاوي
و أسامة علي .. الاصدقاء الذين فقدتهم مبكرا
3- الحلم الثالث 1946-1950
----------------------
عندما جاءت أختي (نهي) للحياة .. انتهت الحرب العالمية الثانية .. و قررت العائلة الانتقال من شارع (النزهة - الشرفا ) إلي سكن أوسع( 41 شارع كنيسة الاتحاد ) بالسكاكيني المكان الذي قضيت فيه طفولتي و صباي و صدر شبابي .
لقد كانت شقة ذات خمس غرف وفرندة كبيرة تطل علي شارعين فرعيين.. ذات أسقف عالية .. وشبابيك و أبواب مرتفعة و كنا نشعر فيها بحرية وبراح يختلف عن السكن الأول الذي ولدت فيه أنا وأخي و أختي.
وهكذا تم نقلي إلي مدرسة (الإلهامية الابتدائية ) بشارع بين الجناين ، التي كنت أذهب إليها صباح كل يوم برفقة زملاء لي أبناء أصدقاء لوالدي وصحبة وحراسة خادمهم.
في المدرسة الجديدة.. أجرى لي الناظر الأستاذ توفيق قبل القبول ما يشبه (الانترفيو) فقد سألني عن اسمي .. و كان ردى (محمد أفندي حسين يونس ).. عندما ضحك و علق لماذا أفندي ، أصلحت من وضع الطربوش ورددت بأنني انتقلت من روضة الأطفال وأصبحت الآن في مدرسة الأفندية ..
وعندما سألني ماذا أريد أن أعمل في المستقبل قلت مهندسا ..سأل .. لية !! و كان الرد لأكسب فلوس كتيرة .. و أذهب لزيارة ماما .. و معي هدايا و حلويات و جاتوه لها و لبابا وأخواي.
هذه الردود يبدو أنهم لم يعتادوا عليها في مدرسة (الالهامية) فلقد أخذني الرجل و طاف بي علي مدرسي المدرسة يسمعهم أحلام طفل في السادسة من عمرة.
بمرور الوقت وضح لهم سرعة استيعابي .. للدروس .. ثم تفوقي .. لدرجة أن مدرس الحساب الأستاذ شتا .. كان يكتب المسألة علي السبورة و يطلب من الطلاب حلها أمامه والذى يعجز يقف بجوار الحائط حتي لا يبق غيري جالسا فيقول أخرج يا محمد حلها لهم .. و عندما أفعل هذا ببساطة .. يحملني لاقف علي منضدته .. ويمرر علي من فشل لأضرب كل منهم بالقلم علي وجهه .
لقد أصبحت طفلا مكروها من الزملاء الذين كانوا يحاولون رد ضربي لهم في الفسحة رغم أن المدرسين كانوا عادة ما يردعونهم .
لم يعد لي حياة اجتماعية في هذا المكان..فأبناء أصدقاء والدي الذين أذهب معهم للمدرسة تنصلوا مني .. و تهربوا .. و أصبحت أذهب منفردا .. و زميلي ماجد دانش .. عندما ناديت علية لنلعب سويا .. خرج لي والدة مكشرا ثم طلب مني الصعود لمنزلهم فوجدته يدرس لابنه الحساب .. سألني في جدول الضرب فرددت .. ثم أعطاني مسألة حليتها بسهولة .. ثم أخرى أصعب .. فلم تمثل مشكلة بالنسبة لي و إذا به يرفع كفة وينهال بها علي وجه إبنه .. فيصرخ الطفل و تأتي أمة و أخته ليطرداني بينما هو يصيح إياك تيجي هنا تاني .
لم يعد لي أصدقاء و لكنني كنت التلميذ الاشهر في المدرسة حتي أنه بعد سبعة عشر سنة عندما قبض علي أحد الزملاء اليهود اثناء أسرى تعرف علي بسهولة .. وسألني ألم تكن في مدرسة الالهامية .
الطفل المتفوق يصبح وحيدا .. حامد ..لم يعد يتبادل معي الحديث او الكلام بسبب أن المدرسين كانوا يقارنونه بأخية (اللي هو أنا ) .. و حتي بين الاقارب ضرب عمي (علي) إبنه (جمال) عندما سمع إجابتينا علي أسئلته .. و ضرب قريبنا طلعت أخوه إبراهيم غازى في الشارع أمام لجنة الامتحان عندما قارن ردودينا علي إختبار الحساب في الابتدائية و كان صعبا لدرجة أن جريدة (الأهرام) ذكرت ذلك أما أنا فقد حصلت علي 48 من خمسين.
لقد كنت أقابل بالصد من أترابي أينما ذهبت فأشعر بالوحدة.. و الطرد خارج مخططات العاب الأطفال بحيث أصبح حلم ابن العاشرة (الذي لم يتحقق) أن يجد له صديقا لا يهتم أهله بأن يتفوق ابنهم علية
4- الحلم الرابع ..1948-1951
---------------------
عم فؤاد السحار .. صاحب البقالة التي علي ناصية شارعنا مع شارع النزهة اشترى منزلنا ثم انتقل بأسرته ليعيش فيه .
لقد كان المنزل يتكون من ثلاث طوابق.. أرضي به أسرة نينه أم كمال الأرملة التي تربي ثلاث شابات و شابين.. و الدور الأول الذى احتلته أسرة السحار .. و الدور الثاني الذى عشنا فيه منذ عام 1947 .. ثم دور بناه المالك الجديد غطي جزء من السطح .. و سكنه بعد ذلك ابنه البكري محمد .
و كعادة أهل ذلك الزمن .. كانت العائلات الثلاث تكون مجتمعا خاصا يضم جميع أفرادها بقيادة والدتي ، التي كانت مدرسة شابة جميلة وذكية وشيك و مودرن و إبنة الأصول فلقد كان والدها (بك) رسمي مش زى بهوات النهاردة.. فكنا في منزلنا لا نتوقف عن استقبال الزوار منهم .. و كانت أمي مخزنا لأسرار الصبايا ..
و ناصحتهن الأمين و مذلل الصعاب أمامهن .. حتي لو أرسلتني مع أى منهن لتبدو مقابلتها لصديقها في إطار الخطوبة الرسمية .
و لانني كنت مستبعدا من أترابي .. لذلك وجدت في مصاحبة الكبار تعويضا مناسبا .. فتعلمت الشطرنج من أنكل كمال و الطاولة من أنكل سيد .. و الاتيكيت من طانت عواطف .. و عوضتني فوزية السحار عن مقاطعه زملاء رحلة الذهاب للمدرسة بأن كانت تصاحبني وهي ذاهبة لمدرسة الالهامية بنات المجاورة لمدرستي أو وهي حاملة للعيش البيتي للتلدين بالفرن البلدى الذى في طريقنا .
بمرور الوقت .. نمت صداقتنا .. و إعتدنا علي أن نقوم بالأعمال التي نكلف بها سويا .. و أصبحت فوزية هي صديقتي الاساسية .. بل قد تكون الوحيدة .
عام 1951 .. جاءني النبأ الرهيب .. فوزية تم خطوبتها لابن عمها عزت .. و ستكتفي بشهادة الابتدائية ..و تتزوج .
كان يوما أسودا يوم حرمت من فوزية بعد أن زفت لزوجها ظللت أبكي مع إندهاش الجميع .. هل يستطيع طفل الحادية عشر أن يحب و يتلوع لفقد حبيبته .
نعم .. لقد كان يحبها .. ولكن حب من نوع خاص يصاحب فترة الصبي قبل المراهقة و يختلف عن أى حب جاء بعدة .
بعد عشر سنوات .. و كان طالب البكالوريوس يهبط السلم مسرعا .. و جد سيدة مدهولة ملخومة بكومة أطفال .. لا تعرف كيف تتحكم فيهم .. و لم يتبين ملامحها من خلال الضوء الخافت لبير السلم فتجاوزها .. ثم توقف عندما سمعها تنادى علية .. لقد كانت فوزية .. بعد أن هرسها الزمان .. و بعد أن محي أحلام الفتي بملازمتها و كم من احلام لك تبخرت يا أبو حميد.
5- الحلم الخامس 1951-1956
---------------------
كان والدى إبن البية (علي).. طاووسا ..رشيقا ..ومتحدثا لبقا .. عصريا في اختيار ملابسة.. وكان (فلانتينو) حليوة تتهافت علية النساء و الشابات.. لذلك لم يكن يهتم إلا بنفسه.. منذ وعيت عليه حتي وفاته في سن الثانية والثمانين .
والدى كان شديد الانانية و لم يكن يكترث بنا كثيرا ..بل يترك عبء تربيتنا لامنا .. بما في ذلك شراء ملابسنا و مصروفنا ..و توجيهنا و تأديبنا و كان يرتضي لنفسة أن يكون البعبع الذى تهددنا به الام .. و عندما يستمع لشكواها من أحدنا.. كانت ردود أفعالة حادة وفي بعض الأحيان غير متوقع عنفها.. فلقد كان مقتنعا (دينيا) بانه يمتلك أى منا ..ثم عندما كبرنا أصبح يتصرف كما لو كان يمتلك أيضا أموالنا.
أبي كان يعاملنا كما لو كنا موظفين تحت رئاسته.. إلا في حالة وحيدة .
عندما يهزمة أحد أصدقائة في الشطرنج .. فيدعوني للعب مع المنتصر قائلا بفخر .
لن أهزمك أنا سأدع إبني يقوم بالواجب .. و لم أكسفة أبدا .
لقد كنا أطفال منزليين .. غير مسموح لنا باللعب في الشارع .. ولكن مسموح بالذهاب لسينما (سهير ) أو (ريالتو) مرة واحدة في الاسبوع ..و كانت تمر علينا الأجازة طويلة .. نتحرك فيها بين شقق منزلنا .. أو يقبع كل منا في حجرته ساكنا .
حتى التحقت بمدرسة فاروق الاول الثانوية و كانت تفتح أبوابها و ملاعبها لطلابها في الصيف .. يزاولون فيها أنشطة رياضية و اجتماعية و ترفيهية مختلفة.
لقد كان نادى المدرسة كما كنا نسميه ..متنفسا .. وكنا نتواجد في رعاية مدرسين أكفاء و تربويين عظام يشرفون علي توجيهنا كل حسب قدراته ..أذكر منهم الأستاذ حبيب المشرف الاجتماعي الذى وجهني لأعمال ( خدمة المجتمع) التي كانت تقوم بها جمعية الشبان المسيحيين (الواى ) فتطوعت لأشارك في حملة جمع التبرعات من أجل ملجأ للاطفال الايتام بكوبرى الليمون في صناديق صغيرة عليها شعار الجمعية و بادج مركب علي سواعدنا نحملة بفخر و نتنافس لزيادة حصيلة صندوق كل منا .
في نادى المدرسة كان لدينا حمام سباحة .. و كان الاشتراك فية طول فترة الصيف
( نصف جنية ) .. طلبته من والدتي .. فرفضت ..بدعوى أنها تخاف علي من الغرق و لكن في الحقيقة كان النصف جنية في الغالب مبلغا ليس هينا( كان مصروفي اليومي قرش أى أن الاشتراك يوازى مصروف شهرين) ففضلت أمي أن تستخدمه فيما يفيد الجميع بدلا من إحتكارى له .. و لم تجد أى توسلات أو مناقشات أو وسايط ..و ظل حلم تعلم السباحة حلما غير متحققا حتي بعد أن أصبح متيسرا في حمامات سباحة الجامعة و الجيش و النوادي.
6- الحلم السادس 1954
-----------------
بعد أن انقلب العسكر علي الملك فاروق .. تغير اسم مدرستي .. وشكل العلم الذي يرفع علي ساريتة بأرض الطابور .. و الهتاف الذي نردده صباحا .. واسم الوزارة و نظام التعليم.
لقد حصلت علي أول إعدادية في تاريخ مصر و بدأنا نتجه نحو الثانوية العام
ة بدلا من الثقافة و التوجيهية ..
بعد انتهاء امتحانات أولي ثانوي (جديد ) وزعونا بالأمر علي فصول تانية ثانوي حسب درجات النجاح تحقيقا للعدالة و دون أى اعتبار لرغبة الطالب
لقد كانت هناك أقسام أدبي جغرافيا و تاريخ و إنجليزى و عربي .. و أقسام علمي أحياء و كيمياء و طبيعة و رياضة .
في صباح أول يوم دراسة بالسنة الثانية ثانوي .. إتجه كل منا إلي فصلة الموجود بكشوف التوزيع ما عدا أنا .. فلم أجد اسمي في أي كشف ،عندما ذهبت للسكرتارية أسأل .. قالوا لي أنني حيرتهم .. فلقد كانت درجاتي مرتفعة .. في أكتر من علم .. وبذلك لم يستطيعوا إختيار مكان لي.. ثم تبعوها ..ب إنت عايز إيه ؟
كان سؤالا غريبا في جو التعليم العسكري هذا الذي يتحرك فية البشر في طوابير تحقيقا للمساواة و العدل !!(في رايهم ) دون مراعاة لرغبه الطالب أو مهاراته .
كان علي أن أختار بين علوم.. أحياء أو كيمياء توطئة لكارير طب أو صيدلة ..أو علوم.. رياضة لأصبح مهندسا أو أدبي.. تاريخ .. لأصبح .. مش عارف إية بالضبط ..ولكنني سأستمتع بمعرفة جذابة ممتدة لآلاف السنين كان فيها البشر يجاهدون للخروج من أسر البدائية .. لنعيم الإنسانية ..وقد ينتهي بي الامر كمدرس تاريخ .
ورغم أنني كنت أميل للدراسات الإنسانية ..إلا أنني اخترت علمي رياضة فالموضة التي كانت سائدة أن العلوم الإنسانية مضيعة للجهد والوقت و أن علينا إذا كنا نريد نهضة حقيقية أن نتجه للعلم والتصنيع و الإنشاء .
لقد ضللت نفسي .. وأتبعت الموضة السائدة .. وظللت أعاني من هذا الاختيار لستة عقود كنت فيها مهندسا تعسا بمهنته اللعينة هذه .
نعم لقد أضعت بإختيارى الفرصة و الحلم أن أتفوق وأبدع في الدراسات الأدبية لتبق هذه الرغبة مكبوتة داخلي دون تعبير من 1954 حتي يوم أن أصدرت أول رواية لي عام 1984.
7- الحلم السابع 1955- 1956
---------------------
فجأة تغيرت ملامح طلاب ثالثة رياضة أول ..لقد إنضم لهم زملاء من خارج مدرسة العباسية الثانوية (فاروق ) سابقا فلقد أغلقوا المدرسة الثانوية (خليل أغا ) و أصبحت إعدادية و حولوا طلاب ثانوى إلي مدرستنا .
الزملاء الجدد لم يكونوا من نفس عجينتنا .. لقد كانت أصواتهم عالية .. و ألفاظهم سوقية يغلب عليها الافيهات الجنسية .. و مستعدون دائما لجر الشكل والقتال ..و كانت تجاربهم أغلبها مكتسبة من الشارع حادة و عنيفة و غير مهذبة .
سيد شحاته (شحتوت ) كان والده جزار في الحسينية و متزوج غير والدته .. و تعيش العائلتين في نفس المكان رغم ضيقة..
محمد الصفتي كان والدة بياع أحذية في الموسكي يبيع من ميني دكان وكان يفخر أنه ابن سوق لأنه يقضي الأجازة في دكان والده يعمل وسط الناس..
ومحمد صلاح الدين السيسي من الجمالية ووالدة تاجر عاديات صغير و كان يعاني من عجز خلقي في ذراعه الأيمن عوضة بالتفوق .
و أنور الجمل من مكان قرب سينما ريالتو يصر علي ألا نعرفه أو نعرف عن عائلته أى شيء حتى لأقرب المقربين له سيد شحاته .
و علي الفور حدث انفصام في الفصل .. حيث تجمع الغرباء حول بعضهم البعض .. و تجمع أصحاب المكان بعيدا عنهم و اشتعلت المنافسة بين الفريقين .. بدأت بالصراخ و الصياح و الفتونة .. ثم تحولت تدريجيا لإظهار أى المدرستين أبناؤها أفضل دراسيا.
عندما ظهرت نتيجة امتحانات الشهر الأول .. اكتسح القادمون أغلب ألاماكن الخمس الأوائل بينما لم يكن لنا إلا مكان واحد أحتلة أنا .. كمركز ثالث يسبقني فية.. أنور الجمل الأول.. ثم سيد شحاته .
كانت هذه مفاجأة للجميع .. الأول يصبح ثالث .. و منذ ذلك الوقت لم يعد لي هم إلا أن أسترجع مكاني .. لقد أصبح حلمي و هدفي .. ولكنه .. لم يتحقق في الشهر التالي بل تأخرت للمركز الرابع بعد أن سبقني السيسي ..
و أصبحت شديد التوتر مع نكات أبناء خليل أغا .. و معايرتهم للعيال المايصين بتوع العباسية .. و كدت أن ايأس .. حتي عرضت علي أنور الجمل أن نذاكر سويا فوافق.
كنت أريد أن أدرس أسباب تفوقه .. لقد كانت زاكرته فوتوغرافية و عقليتة رياضية وذكي للغاية .. رغم أنه يبدو علية الإهمال و عدم الاهتمام .. و دائم التهريج .
علاقتي بانور توطدت .. و أصبح يعيش عندنا أكثر من ما يعيش في منزلهم .. وأفادتني منافسته وحافز أن أتفوق علية في زيادة درجة اهتمامي ..و لكن يبدو أن الحلم كان صعب التحقق .. فلقد جاءت نتيجتينا في الثانوية العامة متطابقة .. بل تخطانا سيد شحاته في الترتيب . ليحبط وافدى خليل أغا حلمي أن أتفوق عليهم وأظل الاول بلا منافس .
في مكتب التنسيق سيد شحاته ..فضل كلية العلوم و أنهي بكالوريوسة مبكرا و حصل علي الدكتورا في الذرة و إنضم لفريق عمل مفاعل أنشاص .. أنور وانا هندسة عين شمس ثم القوات المسلحة وإكتفينا بالبكالوريوس..الصفتي فنون جميلة قسم عمارة ثم رحل مبكرا .. السيسي تجارة عين شمس ثم أصبح (بنكر) متفوقا و انقطعت علاقتنا.
8- الحلم الثامن ..1956
---------------
(1)
في 26 يوليو وقف الرئيس جمال عبد الناصر يلقي خطابا طويلا .. عن علاقة الثورة الوليدة بجلاء الاستعمار البريطاني و صفقة السلاح الروسي و قرض البنك الدولي الذي لم يتم و مناورات أمريكا لوقف تطور التقارب السوفيتي..و تاريخ استغلال الغرب لبلدنا و نهب دخل القناة .. ثم فاجأ الجميع بصوت يملأه الإصرار و القوة بقوله
((قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقنال السويس البحرية.)) وعلي تصفيق وهتاف الحضور .وقفزت من فوق السرير حيث كنت مستلقيا أستمع باسترخاء للخطاب من خلال الراديو .. أرقص و أقفز .. و أصيح حتى أن أهلي اندفعوا للحجرة متعجبين من هذا السلوك .
كنت قد حصلت علي الثانوية العامة و ترشحت من خلال أول مكتب تنسيق قبول الطلاب في الجامعات عقد في مصر لأصبح طالبا في هندسة عين شمس .
و كنت من الجيل الذي صدق خطب عبد الناصر و يؤمن بثوريته وقدرته علي عمل المعجزات
و كنت أيضا من الجيل الذي شاهد جنود الاحتلال علي أرضة .. و شاهدهم و هم يرحلون
الجيل الذى عاصر كفاح شعوب المنطقة ضد الاستعمار و كان معجب (بمصدق ) رئيس وزراء إيران عندما أمم شركات البترول التي تنهب بلادة ويرى هذا الفعل قمة التحدى و قمة الوطنية
لذلك عندما تصادف تواجدى في اليوم التالي و بعض الأصدقاء من والدى في الفرندة البحرية لمنزلنا .. بعد غروب الشمس .. و من خلال أضواء خافتة لا تظهر و لا تخفي الجالسين ودار حوار حول حدث امس كانا نتكلم بحماس فائق و كان الوالد يرد بشك و عدم يقين و خوف من أن هذا الفعل التاميمي عمل رومانسي دعائي غير مجدى و غير مفيد حيث أن عقد القناة كان سينتهى بعد عدد محدود من السنين .. فما جدوى خلق مشاكل مع الغرب
حماس يغذى أحلام واسعة للشباب .. سنقضي علي التبعية و الاستعمار و نبني السد العالي .. و نسترد ثروتنا .. و نوجهها نحو رفاهية و امن بلادنا .
وخوف و إحباط جيل عاش حياة يتحكم فيها المندوب السامي .. ولاراد لكلمته .
قال والدى .. سيهاجموننا ويعيدون احتلال القششِناة .. و رددت .. سنقف امام قواتهم بالملايين ندافع عن بلدنا ..فابتسم و وقف و غادر المكان قائلا و اللة م إنتم فاهمين حاجة
(2)
بين مدرسة (فاروق الأول ) العباسية والهندسة (بجامعة إبراهيم باشا ) عين شمس.. شارع عبرته لأصبح طالبا في إعدادي أكاد أن أضع علي ظهري إعلانا .. يا ناس ياهوه .. صاحبكم في الهندسة لأتميز عن طلاب و طالبات كلية الحقوق الذين يشاركوننا المبني
ولكن هذا لم يستمر كثيرا .. ففي 29 أكتوبر هاجمت القوات الإسرائيلية الحدود المصرية .. و عبر الجيش المصري محدود الإمكانيات القناة للتصدي لها .. و دارت معارك لم تكتمل بعد أن أنذرت فرنسا و إنجلترا قوات الدولتين المتحاربتين بإخلاء المنطقة حول القناة بعشرة كيلو من الناحيتين و عندما رفضت مصر الانذار هاجمت قوات المنذرين منطقة القناة .
لقد تحققت نبوءة والدي .. و هاجمونا .. لكن حماس الشباب لم ينطفيء .. خرجنا نهتف (( حنحارب ، حنحارب ، كل الناس حتحارب ، مش خايفين م الجايين بالملايين )). وتطوعت مع قوات الدفاع المدني في منطقتنا.. و ذهب الأكبر منا للدفاع عن مدن القناة .. و ساد شعور طاغي بالرغبة في عدم الاستسلام .. و مع ذلك لم يأت الحل من حماسنا و حلمنا ..إنما جاء من الخارج .. عندما أنذر بولجانيين المعتدين .. و أمرهم أيزنهاور بالانسحاب
نتائج عدوان 56 .. لا يمكن حصرها في سطور .. ولكن أهم هذه النتائج أنني رسبت في إعدادي هندسة و أن كرامتي قد جرحت .. وحلم تفوقي أصبح مشكوكا فية ..
ولأول مرة أشعر بمرارة السقوط
----------
بقلم/ محمد حسين يونس
كاتب وباحث وروائي مصري

أُضيفت في: 25 مارس (آذار) 2017 الموافق 26 جمادى آخر 1438
منذ: 4 سنوات, 2 شهور, 22 أيام, 20 ساعات, 32 دقائق, 12 ثانية
0

التعليقات

130801
أراء وكتاب
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-25 13:23:03
وجد عندها رزقاوجد عندها رزقامحمد محمد علي جنيدي2021-04-24 14:20:24
الطاعات الواجبة في أصول الفقهالطاعات الواجبة في أصول الفقهسامح عسكر2021-03-10 23:30:23
كن مسلما متوازناكن مسلما متوازنامستشار / أحمد عبده ماهر2021-03-10 23:26:01
أبو لهب المعاصرأبو لهب المعاصرحيدر حسين سويري2021-03-10 20:10:27
التحرش وطفلة المعاديالتحرش وطفلة المعاديرفعت يونان عزيز2021-03-10 16:10:44
حَنَانُكِ أُمِّي  بَحْرِي وَمَصَبِّيحَنَانُكِ أُمِّي بَحْرِي وَمَصَبِّي الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم{شاعر المائتي معلقة}2021-03-10 07:47:15
كيف نوجه الشباب للطموحكيف نوجه الشباب للطموحكرم الشبطي2021-03-10 04:40:04
المؤسسات الخيرية وواقع التشردالمؤسسات الخيرية وواقع التشردهالة أبو السعود 2021-03-09 04:37:05
أقلام وإبداعات
لابصم بالدم فتحاويلابصم بالدم فتحاويسامي إبراهيم فودة2021-04-23 16:47:46
العقرب الطائرالعقرب الطائرابراهيم امين مؤمن2021-03-08 05:40:45
لقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدلقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدحسن محمد قره محمد2021-03-07 13:17:20
جمال ثورة المرأةجمال ثورة المرأةكرم الشبطي2021-03-07 11:19:28
انا والقس والشاب المسلم المتدين ...انا والقس والشاب المسلم المتدين ...ايفان علي عثمان 2021-03-07 03:27:11
لا أحد فوق القانونلا أحد فوق القانونسري القدوة2021-03-06 23:40:14
ديوان.. قَالْتْ مَامَا سُوزَانْ .. الْبِيئَةْ .. اَلْخُضْرَةْ ..لِلْأَطْفَالْديوان.. قَالْتْ مَامَا سُوزَانْ .. الْبِيئَةْ .. اَلْخُضْرَةْ ..لِلْأَطْفَالْ الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم{شاعر المائتي معلقة}2021-03-06 10:15:11
مساحة حرة
يا أمة القشوريا أمة القشوركرم الشبطي2021-03-02 22:33:06
وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!د / رأفت حجازي 2021-03-02 14:26:57
لادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلاملادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلامايفان علي عثمان 2021-03-02 05:05:18
قبل الختام يجب الكلامقبل الختام يجب الكلامهاجرمحمدموسى2021-03-02 02:13:28
المطلقة في مجتمعناالمطلقة في مجتمعناالدكتوره ريهام عاطف2021-03-01 16:23:30
من أحسن إلي..كيف أجازيه؟من أحسن إلي..كيف أجازيه؟إيناس ثابت2021-02-28 17:39:16
** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **عصام صادق حسانين2021-02-27 23:54:38
ما هو النجاح ؟ما هو النجاح ؟منيره خلف بشاي 2021-02-18 11:54:38
الاميرمحمود قبلان آل سيف الدين الهاشميالاميرمحمود قبلان آل سيف الدين الهاشميعبدالواحد الحلبي2021-02-18 03:17:00
الأهلي ...الأهلي ...ايفان علي عثمان 2021-02-17 23:23:39
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر