GO MOBILE version!
مارس220212:27:43 صـرجب181442
التفريط في القدس تفريطا في مكة و حرمة الأقصى من حرمة الكعبة..
التفريط في القدس تفريطا في مكة و حرمة الأقصى من حرمة الكعبة..
مارس220212:27:43 صـرجب181442
منذ: 5 شهور, 14 ساعات, 49 دقائق, 23 ثانية

التفريط في القدس تفريطا في مكة و حرمة الأقصى من حرمة الكعبة..

القدس مدينة الله على الأرض زيارتها سنة وتحريرها فرض، و هي مدينة الأنبياء وبوابة الأرض إلى السماء، و زهرة المدائن وبسمة الأماكن ليلها صلوات وابتهالات، ونهارها كدح ودعوات، وتاريخها هو تاريخ الرسالات، وتضحيات المرسلين، من عاش فيها أو في أكنافها حمل مقدساتها على ظهره، ومن ابتعد عنها حفظها في صدره، سلمت من نبي إلى نبي حتى تسلمها محمد صلى الله عليه وسلم، فدخلت في حصن الإسلام المنيع، فطهرها من كل دنس وفتحها على مصراعيها للتائبين العابدين والمصلين الموحدين والمؤمنين الخاشعين.

القدس مدينة الحق والعدل على أسوارها استشهد الأبطال الغر الميامين، وفي ساحتها استبسل صناديد الرجال المؤمنين، و على أبوابها يتصارع الحق والباطل صراعاً مريراً حتى يحسم الحق المعركة في جولته الأخيرة، فيعود لها الأمن وتظلها ظلال الإيمان، و هي جزء من عقيدة المسلمين شأنها في ذلك شأن المسجد الحرام، فإليها توجه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في صلاتهم حينا من الزمن، وإليها كان منتهى إسراء الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها كان معراجه صلى الله عليه وسلم: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) الإسراء:1

ونوه القرآن في مواضع كثيرة إلى أهمية القدس، قال تعالى: ((وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)) البقرة:58، وقال كذلك سبحانه و تعالى: ((ويا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ)) المائدة:21،
وقال تعالى: ((وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)) الأعراف:137، كما قال تعالى: ((وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ)) الأنبياء:81.

وبيت المقدس أرض مباركة ارتباطها بالمسلمين ارتباط عقيدة وإيمان، وقد ورد في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة قال له أحد الصحابة إني نذرت أن أصلى في بيت المقدس إن فتح الله عليك مكة، وقالت ميمونة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين: يا رسول الله إني جعلت على نفسي إن فتح الله عليك مكة أن أصلى في بيت المقدس، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (يا معاذ إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدى من العريش إلى الفرات رجالهم ونسائهم مرابطون إلى يوم القيامة فمن اختار منكم ساحلاً من السواحل في الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة).

القدس الشريف بها المسجد الأقصى الذي هو رابع أربعة أمكنة لا يسلط عليها (المسيخ الدجال)، فقد ذكر الألوسى في تفسيره، قال: أخرج الإمام أحمد في مسنده أن الدجال يطوف الأرض إلا أربعة مساجد مسجد المدينة، ومسجد مكة، والأقصى والطور، والمسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى، ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعراجه إليه تشد إليه الرحال، والصلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة فيما سواه ، عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم، ففلسطين كلها مباركة ومقدسة ولا فرق بين القدس القديمة والقدس الجديدة، ولا فرق بين يافا وحيفا والخليل ونابلس وجنين، إن كل شبر من أرض فلسطين مبارك ومقدس، وعلى هذا فلا يملك حاكم أو محكوم أو نظام أن يفرط في شبر واحد من تراب فلسطين، حتى القبول بقيام دولة اليهود في بقية الأرض الفلسطينية التي احتلت قبل 1967م ، كالقدس الجديدة أو حيفا، أمر يتعارض مع ديننا وشريعتنا.

وفي الحديث الصحيح عند البخاري، أن موسى بن عمران عليه السلام عندما حضره الموت سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة ، وتعاقب على المسجد الأقصى أنبياء الله يقيمون فيه مكان العبادة والمحاريب ، قال تعالى : ((كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) آل عمران:37.

وفي الحديث عند أحمد والترمذي، أن يحيى بن زكريا عليهما السلام أمره الله بإبلاغ بني إسرائيل أوامره ، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ المسجد وقعدوا على الشرف، ولابد للمسلمين أن يميزوا بين المسجد الأقصى المقصود في الآيات والأحاديث الشريفة، وبين مسجد قبة الصخرة الذي يحكى أن بعض أنبياء بني إسرائيل أقاموا مكانه مسجداً لهم اجتمعوا فيه، وأول من أقام مسجداً في الإسلام في هذا المكان هو عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، ومسجد قبة الصخرة هو المشهور بالقبة الذهبية على المبنى المثمن، وكثيرا ما تنصرف أذهان الناس إليه على أنه المسجد الأقصى لكثرة انتشار صورته.

القدس لا تمثل للمسلمين مجرد أرض محتلة احتلالا جائرا علي يد شرذمة من يهود العالم، في أكبر عملية تزوير تاريخية باستحلال الأرض باسم الدين، والمحاربة فيها باسم الدين، وتشويه معالمها التاريخية وإخراج أهلها وتوطين الغرباء باسم الدين، كذلك لتصير دولة دينية مزورة مفروضة على العالم بحكم الواقع والقوة، بل هي قضية عقيدة ربط الله بينها وبين المقدسات الإسلامية في مكة التي هي قبلة المسلمين في كل أرجاء الأرض، حين أسري الله عز وجل بنبيه من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصى ليصير التفريط في القدس تفريطا في مكة، ولتصير حرمة الأقصى من حرمة الكعبة، ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) سورة الإسراء الآية:1

على كل حال فشعوب الأمة العربية اليوم، مغلوب على أمرها تشغلها حالة الصراع الداخلي مع حكام الانقلابات والثورات المضادة، فصارت قضية المقدسات أقل من أن تشغلها أو تلهب مشاعرها ليجد الشعب الفلسطيني وحده في مواجهة آلة الاحتلال الدموي وقوة البطش الأمريكية، في الوقت ذاته الذي يعاني فيه الرئيس الأمريكي (ترمب العنصري) مشاكل داخلية مع شعبه، قد تودي بوجوده الرئاسي فيتعجل اتخاذ قراره قربانا (للوبي الصهيوني)، عسى أن يضمن له ذلك بقاء لنهاية مدته الرئاسية، تجمعت الأسباب كلها لنجاح ذلك القرار، بل وأحسب أن بعض الدول ومنها دول عربية يمكن أن تقدم على تلك الخطوة، إذا استطاعت (آلة القمع الأمنية) أن توقف غضب الشعوب العربية، وقد نجحت بجدارة، خاصة في مصر والبلدان الموالية للقرار الأمريكي ومنها السعودية والإمارات على أقل تقدير.

ألا يكفيك أخي المسلم، أينما كنت على وجه المعمورة، و انظر معي كيف فتحت القدس على يد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأبسط إمكانيات الحلول، و ليس كما هو جاري اليوم في زمننا هذا، من الدبلوماسيات و الملتقيات ما بين الحكام من هم ولاة أمور شؤون الأمة التي هي خير امة أخرجت للناس، و هذا لو مشينا على طريق الصواب، و التمسك بحبل الله لكنا أعظم امة و قدوة حسنة لجميع أمم المعمورة، و لكن للأسف فقد أخذنا منعرج الطرق في مسيرة حياتنا، فمتى نستفيق لهذا الأمر، وتصحا ضمائرنا من السبات العميق و نأخذ المسلك الصحيح؟؟.

أخي القارئ: تابع معي لما تم فتح بيت المقدس على يدي سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فبعد أن انتهى أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من فتح دمشق، كتب إلى أهل (إيلياء) يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجزية، أو يؤذِنون بحرب، فأَبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه، فركب إليهم في جنوده، واستخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس، وطلب من أهلها الصلح، ولكنهم رفضوا، وقال رهبانهم: لن يفتحها إلا رجل، وذكروا بعض الأوصاف.

وكان عمرو بن العاص الذي فتح (غزة) قد أرسل إلى أرطبون، وكان أميرا على أهل إيلياء كتابا للصلح، وذلك قبل وصول أبي عبيدة، وكتب كتابا لرسوله الذي كان يعلم اللغة الرومية، وقال له عمرو: اسمع ما يقولونه، فوصل الرسول، ودفع الكتاب إلى أرطبون وعنده وزراؤه، فقال أرطبون: لا يفتح والله عمرو شيئًا من فلسطين بعد أجنادين، فقالوا له: من أين علمت هذا؟ فقال: صاحبها رجلٌ صفته كذا وكذا، وذكر صفة عمر بن الخطاب، فرجع الرسول إلى عمرٍو فأخبره الخبر، فكتب إلى عمر بن الخطاب يقول: إني أعالج عدوا شديدا وبلادا قد ادخرت لك، فرأيك، فعلم عمر أن عمرا لم يقل ذلك إلا بشيء سمعه، وكتب أبو عبيدة أيضا كتابا بذلك إلى عمر، فاستشار عمر الناس في ذلك، فأشار عثمان بن عفان بألاَّ يركب إليهم، ليكون أحقر لهم، وأرغم لأنوفهم.

وأشار (علي بن أبي طالب) بالمسير إليهم، ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوى ما قال علي، وسار بالجيوش نحوهم، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته، وقد قال عمر ردًّا على من رفضوا خروجه إلى المقدس: (أُبادر بالجهاد قبل موت العباس، إنكم لو فقدتم العباس لانتقض بكم الشر كما ينتقض الحبل)، فمات العباس لست سنين من خلافة عثمان، فانتقض بالناس الشر.

وكتب عمر إلى أمراء الأجناد أن يوافُوه بالجابية ليومٍ سمَّاه لهم في المجردة، ويستخلفوا على أعمالهم، فلقوه حيث رفعت لهم الجابية، فكان أول من لقيه يزيد بن أبي سفيان، وأبو عبيدة، ثم خالد على الخيول، عليهم الديباج والحرير، فنزل وأخذ الحجارة ورماهم بها، وقال: ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم إياي تستقبلون في هذا الزي وإنما شبعتم مذ سنتينِ! وبالله لو فعلتُم هذا على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإن علينا السلاح، قال: فنعم إذًا.

وركب حتى دخل الجابية، وعمرو وشرحبيل بأجنادين كأنهما لم يتحركا من مكانهما، وقد نزل عمر عن بعيره، وخلع ما كان يلبس في قدمه، وأمسكهما بيده، وذلك لوجود بركة من الماء، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، قال: فصك في صدره، وقال:(أَولَو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله)، وضم عمرا وشرحبيل إليه بالجابية، فلقياه راكبا فقبلا ركبتيه، وضم عمر كل واحد منهما محتضنهما.

ولما قدم عمر الجابية قال له رجل من اليهود: يا أمير المؤمنين، إنك لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء، وذكر أن عمر رضي الله عنه قدم الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قَلَنسوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب، وطاؤه كساء أنبجاني ذو صوف، هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفًا، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس، قد رسم وتخرق جنبه، فقال: ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه، وأعيروني ثوبا أو قميصا فأتي بقميص كتان، فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان، قال: وما الكتان؟. فأخبروه فنزع قميصه، فغسل ورقِّع وأتي به، فنزع قميصهم، ولبس قميصه، فقال له الجلومس: أنت ملك العرب، وهذه البلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئا غير هذا، وركبت برذونا، لكان ذلك أعظم في أعين الروم، فقال: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلا، فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل، فركبه بها، فقال: احبسوا احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتي بجمله فركبه.

ثم سار عمر حتى صالح نصارى بيت المقدس، واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث، ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الإسراء، ويقال: إنه لبى حين دخل بيت المقدس، فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد، فقرأ في الأولى بسورة "ص" وسجد فيها والمسلمون معه، وفي الثانية بسورة بني إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار، وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه، فقال: ضاهيت اليهودية، ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم.

ونقل عمر التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه، ونقل المسلمون معه في ذلك، وسخر أهل الأردن في نقل بقيتها، وقد جعل الروم الصخرة مزبلة، لأنها قبلَة اليهود، فكانوا يكرهون اليهود، حتى إن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة، وذلك ردا على ما قام اليهود بفعله عندما صلبوا فيه المسيح عيسى ابن مريم في هذا المكان، وهذا حسب عقيدتهم، فجعلوا يلقُون القمامة في هذا المكان، فلأجل ذلك سمي ذلك الموضع القمامة، وانسحب الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك.

وبسبب القمامة التي كان يرميها النصارى على الصخرة، قال هرقل لهم خاصة، لما بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود، (إنكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد، كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا)، ثم أُمِروا بإزالتها فشرعوا في ذلك، فما أزالوا ثُلُثَها حتى فتحها المسلمون، فأزالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وبعد الصلح سأل عمر أحد اليهود عن الدجال، وكان كثير السؤال عنه، فقال له: وما مسألتك عنه يا أمير المؤمنين؟ أنتم والله، تقتلونه دون باب لدٍّ ببضع عشرة ذراعًا، وجعل عمر علقمة بن حكيم على نصف فلسطين، وأسكنه الرملة، وجعل علقمة بن مجزز على نصفها الآخر، وأسكنه إيلياء، وكان فتح بيت المقدس أو إيلياء سنة ست عشرة في ربيع.

إذا فالقدس من القداسة والتقديس فهي جزء من دين الأمة وعقيدتها، والأمة المعنية بتلك القضية هي أمة الإسلام وليست الأمة العربية وحدها، فهي قضية كل مسلم في كل بقعة من بقاع العالم، و ليست قضية الشعب الفلسطيني الذي بذل الكثير من الجهد و التضحية وحده، وليست قضية العرب منفردين، وحين يسمع المسلم الحديث النبوي الذي رواه البخاري ومسلم (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس، فقيل من هم يا رسول الله قال: هم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس).

يتيقن من أن فلسطين كلها أرض مقدسة، وأن التنازل عنها تنازل عن جزء من عقيدته، وأن الموت دونها هو موت في سبيل الله تحركه في ذلك عقيدته، وليس مجرد حمية طارئة قد تفتر مع الزمن فهو يأبى أن تكون قبلته الأولي مدنسة، ومسجد نبيه الذي عرج به منه إلى السماء في غير أيادي المسلمين، ولا تقام فيه الصلوات إلا تحت حراسة غير المسلمين، وتدنس ساحاته بأحذيتهم، بينما تحرسه النساء المرابطات على أعتابه، ذلك المسلم يحركه دينه وتلهب عقيدته حماسته، ويقدم نفسه فداء لذرة تراب من أرضه، لذلك فالقضية دينية في المقام الأول وليست قضية أرض مستباحة ودولة محتلة.

إن حقيقة المعركة بيننا وبين اليهود قديمة جديدة منذ عهد بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم، فغدروا به وانضموا إلى أعدائه، فكان جزاؤهم ما عرفه التاريخ، هؤلاء اليهود ضمهم الإسلام في رحابه وأدخلهم تحت جناحه فتح لهم صدره الحنون، رفضتهم الدنيا ولفظتهم لفظ النواة وشردهم العالم من شرق وغرب فلم يجدوا كهفاً يأوون إليه إلا دار الإسلام، لم يستظلوا إلا بظل الإسلام، ثم نجدهم تغلب عليهم طبيعتهم الغادرة فينقلبون على من آواهم وحماهم، عرضت عليهم أوطان أخرى بديلة فأبوا إلا هذه الأرض.

على كل حال رؤيتي واضحة من هذا الباب، و حتى لا تغيب عن أذهاننا مكائد اليهود بخططها الجهنمية ، فهاهي إسرائيل حاليا ترفع قضية على النبي محمد عليه الصلاة و السلام في مجلس الأمن، و تعد مشروعا سيفلس كل من مصر و السعودية و المغرب و الجزائر و البحرين، تعويضات ضد الرسول محمد عليه الصلاة و السلام عن غنائم خيبر و بني قريظة، صدق أو لا تصدق أخي القارئ لقد حدث بالفعل.

دويلة عمرها اقل من سبعين سنة ستحاسب الإسلام و المسلمين على تاريخهم، و تسلب منهم منذ عهد الرسول و حتى اليوم، و في ظل اليوم و مع هذه التنازلات ليس ببعيد يعلنها مجلس الأمن و إسرائيل رسميا، مائة مليار دولار ستدفعها السعودية لإسرائيل تعويضا عن ممتلكات اليهود، منذ عهد النبي صلى الله عليه و سلم، فما تفاصيل هذا القانون؟.

أخي القارئ، هذا نص قانون تعده إسرائيل و بعد تصديق مجلس الأمن عليه سيتم الحجز على ودائع السعودية المليارية بالخزائن الأمريكية، فإسرائيل تطالب السعودية بمائة مليار دولار تعويضات عن ممتلكات اليهود منذ عهد الرسول صلى الله عليه و سلم، فالحكومة الإسرائيلية تطالب مصر و السعودية بالتعويض عن أملاك اليهود على أراضيهم.

إسرائيل تعتبر أملاك اليهود لدى مصر و السعودية مقابل حق العودة للفلسطينيين، و مائة مليار دولار من إيران كذلك تعويضا عن مئات القتلة و المفقودين من اليهود الإيرانيين، و إسرائيل تطالب البحرين هي الأخرى بالتعويضات عن أملاك أسر يهودية كانت تعيش في المنامة.

وفي مفاجئة كبيرة تقوم إسرائيل حاليا عن طريق مدير عام لإدارة الأملاك بوزارة الخارجية الإسرائيلية، لإعداد مشروع قانون سيطرح على (الكونيسد)، يلزم الحكومة الإسرائيلية بمطالبة السلطات المصرية برد أملاك اليهود المصريين الذين تركوا المدن المصرية المختلفة بداية من عام 1948 م، تمهيدا لوضعها على مائدة المفاوضات الدولية في حالة الضغط على إسرائيل بحق العودة الفلسطينية.

حيث ينقسم مشروع القانون لقسمين، أين نجد القسم الأول يطالب كل من مصر و موريتانيا و المغرب و الجزائر و تونس و ليبيا و السودان و سوريا و العراق و لبنان و الأردن و البحرين، بتعويضات عن أملاك 850 ألف يهودي قيمتها مليار دولار أمريكي مقسمة فيما بينهم طبقا لتعداد السكان الأخير لليهود عام 1948 م.

أما القسم الثاني من مشروع هذا القانون، فتطالب فيه وزارة الخارجية الإسرائيلية المملكة العربية السعودية بدفع التعويضات قيمتها تتجاوز المائة مليار دولار، مقابل أملاك اليهود في المملكة منذ عهد الرسول عليه الصلاة و السلام، و هو المشروع الذي يعمل حاليا عليه كبار خبراء القانون الدولي و التاريخ و الجغرافيا الإسرائيليين في جامعات (بار أيلان و بئر السبع و تل أبيب و القدس و حيفا)، بتمويل خاص حدد بمائة مليون دولار أمريكي و أقتطع من ميزانية وزارة الخارجية الإسرائيلية لعام 2012 م.

و فيما يخص الجمهورية الإسلامية الإيرانية فلها قسم خاص في إطار المشروع نفسه، حيث تطالبها إسرائيل بدفع مائة مليار دولار أمريكي وحدها تعويضا عن مئات القتلة و المفقودين من اليهود الإيرانيين داخل إيران دون علم مصيرهم حتى اليوم، و الأمر الغريب و المثير أن إسرائيل تطالب البحرين هي الأخرى بتعويضات عن أملاك أسر يهودية كانت تعيش في (المنامة)، و لها مدافن يهودية في البحرين حتى اليوم، طبقا للمعلومات المتسربة من المشروع الإسرائيلي، فما رأيك أخي القارئ، و هل يمكن تطبيقه؟.

الجواب نعم، فالكثير مما نراه اليوم و الذي لم نكن نصدق انه قد يحصل و كأنها أشياء من علامات الساعة، إذا على المستوى الشخصي نحن نرى إمكانية تطبيقه و أخذ الفدية بموجب هذا القانون، و هذا هو الحساب على أجدادنا و ماضينا الذي نفتخر به، حتى نخجل من أن نذكره و نخجل حتى من انتسابنا لهذه الأمة المستضعفة، فلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إذا ففلسطين ليست وطناً بغير شعب حتى تستقبل شعباً بغير وطن ، فلسطين لها شعبها وأهلها، إن هذه الأمة بالإيمان تصنع الأعاجيب، ارفع أمامها المصحف وقل يا رياح الجنة هبي، ويا خيل الله اركبي، وبكتاب الله سيرى، ثم أنظر ماذا ستصنع هذه الأمة، لقد طالما عزفوا على معزوفات القومية والاشتراكية، والديمقراطية، والتقدمية، فلم تحرك هذه ساكناً، ولكن عندما تحركت بالإيمان وبالإسلام، وبـ لا إله إلا الله ، عادت إليها الروح، والإيمان، والإسلام، والقرآن، أحلام الجنة هي التي تحرك الأمة، هذا ثابت بيقين ونحن محتاجون إليه دائماً في قضية فلسطين.

ولا يمكن أن تنتصر هذه القضية إلا إذا أصبحت قضية إسلامية لأن عدونا يقاتلنا باسم الدين، تجمعوا في فلسطين من شرق وغرب ومن أمريكا وروسيا، في بلاد العرب والعجم ما الذي جمعهم من شتات، إنها العقيدة اليهودية إنها الأحلام التوراتية، إنها التعاليم التلمودية، إنها اللغة العبرية، لقد كانوا يعيشون في بلادهم آمنين بل كان منهم من يملك الملايين، ومن لهم نفوذ يستطيعون أن يؤثروا به على السلاطين، ولكنهم تركوا هذا كله، وجاءوا من أجل أن يقيموا دولة، دولة تقدس تعاليمهم تمنع العمل يوم السبت، دولة فيها أحزاب دينية متطرفة، وقد قال موشى ديان : (إن جيش إسرائيل ليست مهمته حماية المؤسسات، إنما مهمته حماية المقدسات)، وإذا كان هؤلاء اليهود مغتصبي أرضنا وديارنا وبيوتنا بدوافع دينية وأحلام دينية.

كان أوجب علينا أن نحارب بمثل ما يحاربوننا به ، فإذا حاربونا بالتوراة حاربناهم بالقرآن، فإذا حاربونا باسم اليهودية نقاتلهم باسم الإسلام، وإذا رفعوا راية التوراة رفعنا نحن راية القرآن، وإذا قالوا التلمود، قلنا البخاري ومسلم، وإذا قالوا نعظم السبت، قلنا نعظم الجمعة، وإذا قالوا الهيكل قلنا الأقصى، وإذا جندوا جنودهم باسم موسى جندنا جنودنا باسم موسى وعيـسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فنحن أولى بموسى منهم، هذه هي حقيقة المعركة مع اليهود أنهم اغتصبوا أرضنا أرض فلسطين أرض الإسلام، وفرضوا وجودهم بالحديد والنار والعنف، والدم، تكلم السيف فاسكت أيها القلم، بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن المعركة مستمرة مع اليهود حتى ينتصر عليهم المسلمون حتى يقول الحجر والشجر (يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله).

و لقد تحدث القرآن الكريم عن هاتين النهايتين تدمير سيادتهم بالأسر البابلي، وإنهاء وجودهم بالسحق الروماني قال تعالى: ))وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا*فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا*ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا)) الإسراء 3: 5.

كما ذهب بعض علماء العصر مثل الشيخ الشعراوى وغيره إلى أن المرة الأولى في إفساد بني إسرائيل كانت في عصر النبوة بعد البعثة المحمدية، وهى ما قام به بنى قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة، وأهل خيبر من كيد وبغى على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد نصرهم الله عليهم، أما إفسادهم الثانية فهي ما يقومون به اليوم من علو كبير وطغيان عظيم، وانتهاك للحريات وإهدار للحقوق وسفك للدماء، وسيقضى وعد الله تعالى بتأديبهم وعقوبتهم وتسليط المسلمين عليهم كما سلطوا من قبل.

إن قبائل بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ، لا تمثل بني إسرائيل وملكهم وإنما هم شرائح صغيرة من بني إسرائيل ، بعد أن قطعوا في الأرض أمما، و الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يجوسوا خلال ديار بني إسرائيل، إذ لم تكن لهم ديار،وإنما هي ديار العرب،في أرض العرب، و قوله تعالى (عباداً لنا) لا يعنى أنهم من عباده الصالحين، فقد أضاف الله تعالى الكفار والعصاة إلى ذاته المقدسة كما في قوله تعالى () أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ () القرقان:17، كذلك قوله تعالى : (( رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا))، يتضمن امتنان الله عليهم بذلك ، والله تعالى لا يمتن على بني إسرائيل بإعطائهم الكرة على المسلمين.

فالله سبحانه و تعالى إنما رد الكرة لبنى إسرائيل على أعدائهم بعد أن عاقبهم في المرة الأولى لأنهم أحسنوا وأصلحوا، كما قال تعالى: ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) واليهود كما عرفناهم وشاهدناهم لم يحسنوا ولم يصلحوا قط، ولذا سلط الله عليهم هتلر وغيره، كما يبتلى ظالم بظالم، وهم منذ مائة سنة يمكرون بنا ويتآمرون علينا ليسرقوا أرضنا، فمتى أحسنوا حتى يرد الله لهم الكرة علينا، و قال سبحانه و تعالى في المرة الأخيرة، ((وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا))، والمسلمون لم يدخلوا مسجدهم قبل ذلك بالسيف والقهر، ولم يتبروا ما علوا تتبيراً، بل لم يكن شأن المسلمين أبداً التتبير والتدبير في حروبهم وفتوحهم، إنما هو شأن البابليون والرومان الذين سلطوا على الإسرائيليين.

إذا ما أجمع عليه المفسرون القدامى أن مرتي الإفساد قد وقعتا ، وإن الله تعالى عاقبهم على كل واحدة منهما وليس هناك عقوبة أشد وأنكى عليهم من الهزيمة والأسر والهوان، والتدمير على أيدي البابليين الذين محوا دولتهم من الوجود، وأحرقوا كتابهم المقدس، ودمروا هيكلهم تدميراً، وكذلك ضربة الرومان القاصمة التي قضت على وجودهم في فلسطين قضاءاً تامًا، وشردتهم في الأرض، ( وقطعناهم في الأرض أمما ) والواضح أنهم اليوم يقعون تحت القانون الإلهي المتمثل في قوله تعالى : ( وإن عدتم عدنا)، وها هم قد عادوا إلى الإفساد والعلو والطغيان، وسنة الله تعالى أن يعود عليهم بالعقوبة التي تردعهم وتؤدبهم وتعرفهم قدر أنفسهم.

وهذا الدمار الأول الذي تم على أيدي البابليين وتحدث عنه القرآن الكريم كان بالغ التأثير على اليهود ، فقد أزال معظم الوجود اليهودي، من فلسطين، وظهر من السهولة التي أجلى بها البابليون سكان منطقة إسرائيل على يد سرجون، ثم سكان منطقة يهوذا على يد بوختنصر، و جذور هؤلاء القوم لم تكن عميقة في أرض فلسطين، وإذا استثنينا المعبد، وقصر سليمان فلا تكاد تذكر لهم آثار خلال تسعة قرون قبل هذا الإجلاء.

و لعلمك أخي القارئ، ليست هذه هي المرة الأولى التي تحتل فيها دولة فلسطين تاريخيا، فقبل الإسلام كان الرومان، وبعد الفتح الإسلامي لها تعرضت لتسع حملات صليبية استهدفتها، أقاموا فيها الممالك والإمارات في فترات ضعف للمسلمين تشبه تلك الفترة المظلمة التي نمر بها اليوم، بالتعاون كذلك مع العملاء والخونة من الحكام والأمراء، ورغم بقائهم فيها لما يقرب من مئة سنة لم يثبت لهم فيها ذلك حق تاريخي، ولم يدعها أحد، ومن قام بتحريرها المسلمون وليس العرب وحدهم منهم عماد الدين زنكي ونور الدين محمود الذي يقول: (كيف لي أن أبتسم وثغر من ثغور المسلمين محاصر)، وتلميذه صلاح الدين الأيوبي الذي طهرها في المعركة ضد المحتل الصليبي وقتها.

ومن هنا ندرك أن الحديث عن القدس وحدها في وسائل الإعلام العالمية، وانجرار العرب والمسلمين خلف حصر القضية في المقدسات وحدها هو نوع من ألاعيب المحتل حتى ننشغل عن بقية الأرض، ففلسطين كل فلسطين مقدس إسلامي يجب علي الجميع أن يشارك في تحريره، وطريق المفاوضات التي جعلها العالم غاية في حد ذاتها، وكأنه وضع التفاوض في ناحية مقابلها ما يسمونه بالإرهاب لتضيع القضية في غياهب المؤتمرات.

إن العالم لا يحترم الضعيف، ولا يعرف غير لغة القوة، القوة المشروعة التي كفلتها القوانين الدولية والشرائع السماوية في تحرير الأرض المستباحة، فوجب على المسلمين أن يعوا أن قضية فلسطين غير قابلة للتفاوض، وليس من حق إنسان أن يتنازل عن شبر واحد منها لا شرقية ولا غربية، وما يجب فعله الآن هو أن يدرك المحتل أن بقاءه فيها مسألة وقت كما نعتقد جميعا ونتعبد إلي الله بذلك، وأرى أن الانتفاضة الفلسطينية الثالثة يجب أن تبدأ على الفور، لتشتعل الأرض غضبا ونارا من تحت أقدامهم، وليعلموا أن المقدسات الإسلامية عليها ألفا من الخطوط الحمراء لا يجب تجاوزها مهما طال الوقت بالمحتل، فهو أولا وأخيرا مجرد محتل يجب أن تتطهر منه البلاد، وحقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم ومرور السنوات لا يعطي حقا لمغتصب.

صحيح أن العالم لم يعترف بعد بالقدس عاصمةً لإسرائيل، لكنه كذلك لا يعترف بأنها عاصمة الدولة الفلسطينية، ولذلك فإن التحرك السياسي الفلسطيني والعربي يُعاني اليوم من فقدان الأوراق الضاغطة على إسرائيل والمجتمع الدولي بما يحفظ هوية القدس والأقصى.

فهو (أي التحرك السياسي والعربي الفلسطيني) يعترف بدولة إسرائيل من جهة، ولا يؤمن بالحرب معها بل أسقط خيار الحرب استراتيجيًا، وتقوم بعض الأطراف بالتنسيق الأمني مع الاحتلال ضد أي عمل مقاوم مشروع، و افتتحت إسرائيل لها ثلاث سفارات وأكثر من أربعة مكاتب تمثيل في البلاد العربية فقط، وتراجعت مواقف و سياسات الجامعة العربية بمقاطعة إسرائيل، ووقع العرب والفلسطينيون في فخ المفاوضات الثنائية مع الاحتلال والتي لم تعد للفلسطينيين أيا من حقوقهم، ولم تعد بقية الأراضي العربية المحتلة إلى السيادة العربية.

كما أنها لم تمنع إسرائيل من شن الحروب على لبنان وغزة وضرب أراضي عربية في سوريا والسودان، و عمليات اغتيال قادة فلسطينيين في سوريا ولبنان والأردن، ولذلك لا تشعر إسرائيل أنها مضطرة حتى لمجاملة العرب والفلسطينيين ورفع الحرج عن القيادات العربية أمام شعوبها، وفي نفس الوقت فإن الإرادة العربية في منع إسرائيل أو وقفها عند حدها في هذه الإجراءات التهويدية مشلولة بالكامل، واستسلمت للآلية الدولية التي تتبنى إسرائيل وتعتبر عدوانها على جيرانها دفاعا عن النفس، حتى لو قتلت الآلاف الأطفال والنساء ودمرت البيوت وأطبقت الحصار الاقتصادي والإنساني على ملايين الفلسطينيين، بل ومنعت المصلين المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى مرارا وتكرارا بحجج غير منتهية ومتجددة.

وإذا كانت بيانات الأمم المتحدة، بل وقرارات مجلس الأمن الدولي لأكثر من عشر مرات، وتوقيع اتفاقات السلام، وتطبيع العلاقات والتنسيق الأمني مع إسرائيل لحمايتها عِبر الحدود وفي الداخل الفلسطيني، وربما أوسع من ذلك لم يتمكن من تحقيق أي نوع من الحماية أو التقليل من آثار العدوان والإجراءات الإسرائيلية بحق المدينة و المقدسات، وإذا كان العالم لا يستشعر أي مسؤولية جادة تجاه ذلك، بل يدعم حليفه الاستراتيجي إسرائيل بكل أنواع الأسلحة الفتاكة حتى اللحظة، ولا يشعر بأنه مضطر للضغط عليها لتطبيق قرارات الشرعية الدولية أو الاستجابة حتى لطلبات بعض السياسيين الفلسطينيين العرب لحفظ ماء الوجه، إذن لا بد من التفكير الجدي بخيارات أخرى.

إن قضية القدس لا تنفصل عن القضية الفلسطينية ككل، ولأن أخذت القضية بأجزائها وجوانبها الأخرى الأبعاد السياسية والإنسانية والفكرية والاقتصادية، فإن مسالة القدس تأخذ البعد الديني ألعقيدي إضافة إلى كل هذه الأبعاد، وقد لعبت القدس كما تلعب اليوم الدور الأساسي في تحريك الصراع الأساسي في المنطقة، وحرصت دول الحضارات التاريخية على أن تكون القدس تحت سيطرتها، بل وعاصمة دولتها، ولئن فشل المسلمون في هذا العصر في حمايتها ورعايتها بأقصاها وقبتها ومآذنها وكنائسها وفق العهدة العمرية من الاحتلال الصهيوني، فإنه بات من المؤكد أن الجيل المعاصر استشعر الخطورة الكبرى للفشل السابق في الحرب والسلم على حد سواء.

لكن التحولات التي شاهدتها البلاد العربية بعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس عام 1967، والتي وسعت من دائرة التحول السياسي والاجتماعي والفكري الشعبي نحو التيارات الإسلامية والوطنية الأخرى، شكل تحولاً مهما في تفكير الشعوب إزاء مواقف الحكومات العربية من جهة وإزاء الفرص المتاحة لنجدة القدس والأقصى من جهة أخرى، والتي خلصت إلى أن النظام الرسمي العربي وجهوده في التطبيع والسلام مع الاحتلال، والتي يبذله بعضه أصبحت حبل النجاة للاحتلال وإطالة أمده ومده بقوة جديدة في المجتمع الدولي، ما يعني أن هذا الحال لا يستطيع استعادة الحق العربي في القدس ولا حمايتها والمسجد الأقصى من التهويد.

استمرت هذه القناعات بالتنامي تباعًا وبالتوازي مع نضالات وانتفاضات، وتضحيات الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى أن انفجر وبسبب عوامل أخرى فيما عرف (بالربيع العربي) في عام 2011، حيث استشعر المحتل لأول مرة خطرًا استراتيجيًا على وجوده ناهيك على احتلاله للقدس، إذ بدأت حركة الشعوب باستلام سدة القرار في دول عربية رئيسة وخاصة في مصر، ما يعني أن الحركات الإسلامية والقومية والوطنية سوف تقوم بوضع رؤيتها للصراع مع المحتل ضمن برنامجها الاستراتيجي لهذه الدول وجيوشها، وهي التي تقوم على هزيمة المشروع الصهيوني وإنهاء احتلال فلسطين وخاصة القدس والمسجد الأقصى.

ولذلك سارعت كل من أمريكا وأوربا وإسرائيل للعمل فورا على بحث كيفية احتواء هذه الظاهرة والتدخل فيها، و وقف مدها ومنع أهدافها النهائية من أن تتحقق، خاصة خلال التسعة شهور الأولى من عام 2011، وبالفعل شرعت باتخاذ سياسات وبرامج، وتواصلت مع العديد من الشخصيات والقوى الأمنية والعسكرية والسياسية، ذات الصداقة السابقة معها في هذه الدول لوضع تصوراتها وخططها موضع التنفيذ.

وقد تمكنت هذه الأطراف من تحقيق عدد من الإنجازات من خلال ثلاثة محاور في هذه الدول:
المحور الأول: فتح نيران الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي بين القوى الوطنية على قواعد المذهبية أو القبلية أو الجهوية والحزبية في عدة دول عربية، مصحوبا بالتدخل العسكري والأمني والسياسي المباشر وغير المباشر.
المحور الثاني: وقف عملية التحول الديمقراطي منذ أواسط عام 2013.

المحور الثالث: التحول في السياسات من تشجيع ودعم الحرية والديمقراطية والإصلاح السياسي في المنطقة، إلى فتح صفحة ما يعرف بمحاربة (الإرهاب) في المنطقة، وعلى محاور متعددة وتفريخ منظمات متطرفة إرهابية متعددة الهويات ونشرها أو تسهيل انتشارها في المنطقة، الأمر الذي استنزف جهود الأمة العربية وإلى حد ما الإسلامية بدولها الكبرى، ودمر البنيان الاقتصادي للدول المذكورة والبنى التحتية، ونشر الفوضى وعدم الاستقرار والفلتان الأمني في أرجاء المنطقة.

كما شعرت إسرائيل بارتياح نسبي جديد ولو لسنوات معدودة بأن التحول المخيف الذي يهدد وجودها لم يتحقق بعد وسيتأخر لسنوات عدة، وبرغم الخلافات الإسرائيلية على التحليل غير أن الحقيقة أن الاستنزاف الدموي الماثل مشهده اليوم أمام الأمة إنما يشكل عقبة كؤود أمام أي جهود جادة ومؤثرة لحماية القدس والمسجد الأقصى، واستفردت إسرائيل بالفلسطينيين بشكل غير مسبوق، وأمعنت في برامج التهويد شمولاً وعمقا واستعجالاً للمسجد والقدس معًا في ما عرف بتطبيق مشروع (زاموش).

ولا يكاد الموقف العربي حتى يدين هذه الاعتداءات ومثله الموقف الدولي، الأمر الذي دفع الشباب الفلسطيني لإشعال المواجهة المقدسية مع الاحتلال بانتفاضة من نوع جديد والتي بدأت في شهر أكتوبر عام 2015 والمستمرة حتى الآن.

بهذه القراءة المركزة لطبيعة الموقف والدور العربي تجاه القدس والأقصى منذ عام 1967 يتبين العديد من الحقائق، كما تفتح الآفاق لأفكار وبرامج وتوجهات يمكن أن تطور دور العرب الرسمي والشعبي في دعم النضال الفلسطيني تجاه القدس والأقصى، والضغط على المجتمع الدولي للجم الانتهاكات الإسرائيلية، وكذلك لوضع إستراتيجية سياسية فكرية وثقافية لتحريك الأجيال الجديدة لتبني قضية القدس والأقصى إلى حين تحريرها.

كما تكشف هذه القراءة حقيقة الإشكالية الفكرية والسياسية التي يعاني منها الموقف الرسمي العربي إزاء القدس والأقصى، وبرغم الاعتراف بالصعوبات التي تقف في وجه الجهود الرامية لإنقاذ القدس والأقصى فان الإبداع الفلسطيني للمرابطين والمرابطات ناهيك عن المناضلين يومياً ضد الاحتلال، إنما يوفر بيئة وتجربة عملية لتغيير الوقائع المعيقة وتجاوزها من جهة، ولرسم معالم جهود وأعمال شعبية تمارس دوراً مباشراً أو ضاغطاً على حكوماتها للقيام بدور أكثر فعالية من جهة أخرى.

كما توفر هذه القراءة إطارا للاستنتاج بأن ضعف الموقف العربي وعجزه عن ممارسة أي ضغوط دولية وإقليمية على إسرائيل من جهة، وضعف تبنيه لقضية فلسطين والقدس بل ضغطه على الفلسطينيين للاعتراف بالاحتلال والتعايش معه من جهة أخرى، ناهيك عن انفتاحه الاقتصادي على الاحتلال وتعاونه معه في بعض المجالات، وخاصة الأمنية منها بحجة مواجهة التطرف والإرهاب، إنما يشكل دافعاً آخر لأهمية التوصل إلى إستراتيجية تغيير وقائع الموقف العربي بأبعاده المختلفة ليصطف إلى جانب الحق العربي والإسلامي والفلسطيني في القدس والأقصى وكل فلسطين.

وأقترح هنا بناء ملامح خطة تحرك شاملة عربية وإسلامية رسمية وشعبية تتضمن العمل على وقف التطبيع العربي والفلسطيني مع الاحتلال، وتشجيع مقاطعة إسرائيل على المستويات العربية والدولية، و كشف حقائق السلوك الإسرائيلي ومخاطره في مختلف المحافل الدولية، وتوعية الرأي العام العربي والإسلامي والدولي بها عبر مؤسسات تنشأ لهذه الغاية يُشارك فيها الجميع، ودعم النضال الفلسطيني بكل أشكاله وفتح المجال للعمل من قبل فلسطينيي الشتات في كافة الدول العربية عِبر مؤسسات وهيئات تخدم هذه الرؤية، وتوفير التسهيلات والدعم اللازم لها على مختلف الأصعدة، وإعادة القضية الفلسطينية وخاصة قضية القدس إلى المناهج العربية والفلسطينية والإسلامية في التعليم العام والعالي، وبما يجعلها قضية حية ومتفاعلة بوصفها قضية عربية إسلامية، ومساعدة القوى الفلسطينية على تحقيق مصالحة وطنية ببرنامج مشترك، وتشكيل قيادة فلسطينية موحدة.

لقد أصبح المسجد الأقصى حائر بين أهل الحق النائمين وأهل الباطل الفاعلين، فهل يمكن أن ننتصر على أعدائنا حقيقةً بسبب مبرر واحد فقط، هو أننا أهل الأرض وأصحابها؟.
أيمكن أن ننتصر، لأننا نمتلك قناعة أننا نحن أهل الحق؟.
وهل يمكن أن يأتينا النصر والعلو والغلبة، فقط لمجرد أننا مسلمون، ونؤدي ما علينا من عبادات تقربا إلى الله؟.

فإذا كنا نعتقد بالأفكار السابقة، علينا أن نراجع أنفسنا قبل فوات الأوان، حيث إن الواقع والأدلة الكثيرة الموجودة بين أيدينا، تثبت أمام أعيننا خطأَ هذا الاعتقاد، ولنأخذْ مثالًا آخر، انظر حولك بتأن وانتباه ولاحظْ كيف أن أصحاب الباطل أتباع الشيطان، يعملون وينشطون ليل نهار، ويبذلون الكثير من الوقت والجهد، دون كلل أو ملل، لأجل باطلهم، وطلبا لرضا شيطانهم الذي يأمرهم فيطيعون، وينهاهم فينتهون، ونجدهم يسعون بكل إصرار وراء هواهم الذي زينه لهم شيطانهم، فينطلقون بكل ما لديهم من قوة إلى باطلهم، فيزينون عيوبه، ويحسنون قبحه ليل نهار، ويغلفون وضاعته وسوءه بهالة من البريق والضوء الأخاذ الذي يبهر العيون ويعميها.

ويبتكرون الأساليب والطرق التي تسلب لب الإنسان العادي البسيط، فينساق وراءهم، ليصبح بعد ذلك كل ما يصدر عن هذا الباطل من كلام وأفعال وأفكار وإيماءات، بل وحتى شائعات وأباطيل وكذب وفجور هو الأعلى والأجمل والأقرب إلى النفس، والأكثر تأثيرا وإقناعا، فيغدو الباطل بذلك قائدا للأغلبية وسيدا للموقف، رغم زيفه وكذبه واعوجاج طريقه، وكونه باطلا ضالًّا مضلا.

ويا لها من مفارقة عجيبة أن ترى في ذات الوقت الذي ينتصر فيه أصحاب الباطل لباطلهم، بكل الطرق والوسائل الممكنة، وإن كانت غير ممكنة أوجدوها هم، أو اختلقوها، أو نقبوا عنها في مجاهل الأرض، بينما نجد أن من يُسمُّون أنفسهم أهل الحق وأتباعه ينامون عن الحق الذي يؤمنون به، فيتركونه وحيدا يكابد الاعتداءات ومحاولات كَبْت أنفاسه والقضاء عليه، ويغرقون في الراحة حتى الرمق الأخير، وإن بذلوا جهدا ففي سبيل لقمة العيش وطلب الرزق، وهم الذين يجب أن يبذلوا الجهد والوقت والمال والنفس والروح، وكل ما يملكون من طاقات وقدرات وممتلكات، في سبيل أداء الأمانة التي وضعها الله في أعناقهم، وحمل رسالة الحق التي كلفهم الله بها.

أهل الحق - إن صح القول أنهم كذلك - الذين غَدت في زماننا أهدافُهم دنيويةً رخيصة متواضعة جدا، لا قيمة لها في ميزان الله والأمم والتاريخ، ولا مكان لها بين الكبار والعظماء، تراهم ينفقون جل حياتهم لتحقيق تلك الأهداف، إن كانوا يعيشون لأهداف أصلًا، فهناك كثيرون ولدوا ليجدوا أنفسهم في هذه الدنيا لا يعرفون شيئًا عن السبب أو الغاية من وجودهم، فانطلَقوا يمشون مع من يمشي، ويتوقَّفون مع من يقف، ورأَوا الناس يأكلون، ويتزوجون، وينجبون، ويتعلمون، ويبحثون عن الرزق، فساروا على ذات الدرب، وفعلوا مثلما فعل الآخرون، ليس أكثر ولا أقل، وهل يمكن للحق أن ينتصر من دون أناس صادقين، مؤمنين بربهم وبالرسالة العظيمة المنوطة بهم؟.

يرفعون لواء الحق وينضمون تحته، ليس فقط بقلوبهم، وإنما بألسنتهم وجميع جوارحهم وقُواهم، يشخصون موطن الداء، وينطلقون لاجتثاثه وعلاجه، ألم يحن الوقت ليعود أهل الحق أنصارا له كما يجب أن يكونوا؟ أنصارا يفتدونه بأرواحهم قبل ممتلكاتهم دون أن تغرهم الأموال والأولاد، ويتمسكون به، مهما لقوا في طريقه من مشاق وتحديات، لإيمانهم التام والمطلق بحقيقة أن الغلبة في النهاية للحق وأتباعه، مهما كانت للباطل صولات وجولات انتصر فيها، لأنهم موقنون تماما أن سنن الله لا تتغير ولا تتبدل، التي منها أن تبقى المعركة مستعرة بين الحق والباطل، فتأتي فترة - وربما فترات - يعلو فيها الباطل على الحق، ليس لأن الموازين تغيرت، وإنما هو اختبار للثُّلة الباقية على الحق أيصبرون؟ أيثبتون على دربهم دون أن ينجرفوا مع التيار؟ فإن كانوا كذلك، عادت لهم الغلبةُ والعلو بعد اختبارات وامتحانات وتمحيص.

لنتذكر غزو التتار للبلاد الإسلامية في العهد العباسي الثاني، حيث كان الضعف والانجرار وراء الملذَّات، والبعد عن الله، وانتهاك الحرمات، هي الصورة التي سادت المجتمع المسلم في ذلك الوقت، فسلَّط الله التتار على بلاد الإسلام يغزونها وينتهكون حرماتها، والتتار شعب كافر بالله، وضع ملكهم (جنكيز خان) لهم عقيدة خاصة مستوحاة من عقائد الأمم الوثنية الأخرى، بينما أهل بلاد الإسلام مسلمون، أي: إنهم أهل الحق، إلا أن الله سلط التتار على المسلمين، فانطلَقوا كالإعصار المدمر يغْزون القرى والمدن، فيسفكون الدماء ويفتكون، ويعيثون في الأرض فسادا وطغيانا، وفعلوا فيها الأعاجيب التي يصعب وصفها، فدخلوا بغداد، وقتلوا الخليفة، وأسقطوا الخلافة الإسلامية، إلا أن الغلبة عادت لأهل الحق بعد ذلك، عندما عادوا إلى الحق بعد هذا الدرس القاسي.

و المسجد الأقصى وما يواجهه من تدنيس على أيدي (بني صهيون)، ليس إلا مثالًا حيا على ما أقول، فالمسجد الأقصى يقف حائرا شاكيا، ينادي أمةً شغلتها الدنيا عنه، فإذا كنا أهل حق وأصحاب عقيدة، فلا بد لنا من الثبات على الدرب، وعدم الانجراف مع تيار الباطل العاتي، والصبر على الأذى، ومجاهدة النفس قبل مجاهدة الأعداء، وبذْل كل جهد نستطيع، ليقوى الحق بنا.

إن القضية التي هي وجع في قلب الأمة، وشغل في عقلها، وهاجس في ضميرها، فهو ما تريده تلك العصابات منَ اليهود في مدينة القدس، وفي هذه الأيام التي يمر فيها وقع الأحداث كما يمر طعم الصدأ في الأَفواه، لا نملك إِلَا أَن ننظر في حقيقة الأمر وأَصله، وأن نعود إلى اللهِ -تبارك وتعالى- على وفق ما جاء بِهِ نبيه صلى الله عليه و سلم، و من العار الكبير أن نغمض العين، و نضع الأصابع في الأذان مؤملين أن تمر الأحداث و غيرها مما يتعذر

أُضيفت في: 2 مارس (آذار) 2021 الموافق 18 رجب 1442
منذ: 5 شهور, 14 ساعات, 49 دقائق, 23 ثانية
0

التعليقات

157060
أراء وكتاب
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-25 13:23:03
وجد عندها رزقاوجد عندها رزقامحمد محمد علي جنيدي2021-04-24 14:20:24
في القدس ثورةفي القدس ثورةكرم الشبطي2021-04-23 18:36:12
الثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرالثقافة الجماعية وشعوب رشيقة الفكرحاتم عبد الحكيم عبد الحميد 2021-04-23 16:07:27
السيدة خديجة والحصارالسيدة خديجة والحصارحيدر محمد الوائلي2021-04-22 17:21:52
لماذا تشوهون صورة مصر؟لماذا تشوهون صورة مصر؟ ياسمين مجدي عبده2021-04-21 16:16:46
** موكب الملوك **** موكب الملوك **عصام صادق حسانين2021-04-21 14:43:18
الطاعات الواجبة في أصول الفقهالطاعات الواجبة في أصول الفقهسامح عسكر2021-03-10 23:30:23
كن مسلما متوازناكن مسلما متوازنامستشار / أحمد عبده ماهر2021-03-10 23:26:01
أبو لهب المعاصرأبو لهب المعاصرحيدر حسين سويري2021-03-10 20:10:27
التحرش وطفلة المعاديالتحرش وطفلة المعاديرفعت يونان عزيز2021-03-10 16:10:44
أقلام وإبداعات
لابصم بالدم فتحاويلابصم بالدم فتحاويسامي إبراهيم فودة2021-04-23 16:47:46
عدوان واحد يستهدف هوية المكانعدوان واحد يستهدف هوية المكانشاكر فريد حسن 2021-04-21 10:19:16
جذور الفتوة في الإعلام المصريجذور الفتوة في الإعلام المصريهاجرمحمدموسى2021-04-20 15:30:00
النت المنزلى .. وخداع الشبكاتالنت المنزلى .. وخداع الشبكاتفوزى يوسف إسماعيل2021-04-20 12:53:08
يا حبيبتي اكذبييا حبيبتي اكذبيكرم الشبطي2021-04-19 18:58:27
العقرب الطائرالعقرب الطائرابراهيم امين مؤمن2021-03-08 05:40:45
لقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدلقاء بلاموعد حسن محمد قره محمدحسن محمد قره محمد2021-03-07 13:17:20
جمال ثورة المرأةجمال ثورة المرأةكرم الشبطي2021-03-07 11:19:28
مساحة حرة
حواري مع مرشح الواحاتحواري مع مرشح الواحاتحماده خيري2021-04-20 14:04:52
9 علامات للرجل الخاطئ9 علامات للرجل الخاطئمروة عبيد2021-04-18 12:12:29
يا أمة القشوريا أمة القشوركرم الشبطي2021-03-02 22:33:06
وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!وجاء عصر مسيلمة الكذاب .......!د / رأفت حجازي 2021-03-02 14:26:57
لادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلاملادهم ابو المجد ومحسن ممتاز ... السلامايفان علي عثمان 2021-03-02 05:05:18
قبل الختام يجب الكلامقبل الختام يجب الكلامهاجرمحمدموسى2021-03-02 02:13:28
المطلقة في مجتمعناالمطلقة في مجتمعناالدكتوره ريهام عاطف2021-03-01 16:23:30
من أحسن إلي..كيف أجازيه؟من أحسن إلي..كيف أجازيه؟إيناس ثابت2021-02-28 17:39:16
** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **** المحتالين المستتر منهم والمستخبى **عصام صادق حسانين2021-02-27 23:54:38
html slider by WOWSlider.com v8.0
الأكثر قراءة
شباب مصر على تويتر